ليس هناك ما يضمن أن رفع العقوبات عن إيران سيؤدي إلى استقرار المنطقة
بغداد- الرافدين
حذرت أوساط سياسية وخبراء غربيون من أن اندفاع إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن برفع العقوبات عن إيران وإزالة الحرس الثوري الإيراني من القائمة السوداء للإرهاب، لن يؤدي إلى استقرار المنطقة.
وأجمعت هذه الأوساط على أن الطريقة التي تتعامل بها واشنطن مع المأزق الذي تسببت فيه إيران وتجاهل الخرائط التي ترسمها في المنطقة عبر أذرعها من الميليشيات في العراق وسوريا ولبنان واليمن، سيشكل مستقبل المنطقة ومكانة أمريكا فيها لعقود.
وتتجاهل الإدارة الأميركية التغيرات التي تعمدت إيران إحداثها في المنطقة عبر خلايا طائفية في الكويت والبحرين والسعودية ومد أذرعها في مشروع توسعي يمنحها إطلالة على البحر المتوسط عبر العراق مرورًا بسوريا ولبنان.
ولاحظت الأوساط أن منسوب الأزمة في المنطقة يتصاعد بين الولايات المتحدة ودول خليجية عُدت كحلفاء لواشنطن، إلا أن هذه الدول لا تخفي غضبها على إدارة بايدن بسبب الموقف من إيران وغض واشنطن النظر عن هجمات الحوثيين على السعودية والإمارات.
ولم تتخذ إدارة الرئيس الأمريكي أي ردة فعل ضد الهجمات الحوثية التي ترعاها إيران، بالطائرات المسيرة على المواقع والمنشآت النفطية.

وكشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية أن ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد رفض استقبال كينيث ماكنزي قائد القيادة المركزية الأمريكية بعد الهجمات التي تعرضت لها الإمارات بداية العام الحالي.
وزار ماكينزي الإمارات مطلع شباط الماضي، بعد أن تعرضت أبوظبي لعدة هجمات بطائرات مسيرة وصواريخ باليستية في كانون الثاني الماضي، استهدفت مطار العاصمة أبوظبي وقاعدة الظفرة الجوية ومواقع نفطية، في أكبر تصعيد حوثي ضد الإمارات منذ بدء الحرب مع الميليشيا في اليمن قبل سبع سنوات.
واعتبرت الصحيفة أن سلوك إدارة بايدن تجاه دول الخليج يتعارض مع أمنها القومي، حيث تعتقد واشنطن أن تحقيق انفراجة مع إيران بإعادة الاتفاق النووي، سيجعل المنطقة أكثر استقرارًا ويجعل طهران أقل عدوانية.
إلا أن فراس مقصد أستاذ الشؤون الدولية بجامعة جورج واشنطن وزميل أول في معهد الشرق الأوسط. وصف التهاون الأمريكي مع النظام الإيراني، وضعف التزام الولايات المتحدة بحماية حلفائها من اعتداءات الميليشيات الحوثية المدعومة من طهران، سيزيد من تشنج العلاقات مع السعودية والإمارات ويدفهما إلى المحور الروسي الصيني أكثر.

وكشفت المشاهد الدرامية لخروج القوات الأمريكية من أفغانستان أن واشنطن في حالة تراجع بالمنطقة. وبالنسبة للسعودية والإمارات، كان عدم وجود رد أمريكي حازم على هجمات الطائرات بدون طيار التي ترعاها إيران على المطارات والمنشآت النفطية في عامي 2019 و2022 بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير.
واعترف الجنرال ماكنزي أن استراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط أثبتت خطأها، لأن المنطقة بالأساس تضم ثلاث من أهم نقاط الطرق البحرية في العالم، وهي حيوية للتجارة العالمية والتجارة. كما أنها تمثل حوالي نصف احتياطيات النفط العالمية وأكثر من ثلث إنتاج النفط.
وبمجرد ترك المنطقة لعبث الميليشيات المارقة المدعومة من طهران ومن ثم ملء الفراغ من خلال الزحف العسكري الروسي في شمال إفريقيا وشرق البحر الأبيض المتوسط وممر البحر الأحمر، وبما أن الصين أزاحت الولايات المتحدة كشريك تجاري رئيسي لمعظم دول الشرق الأوسط، فإن الفرصة ستكون مواتية لإيران لتنفيذ أجندتها التوسعية بالمنطقة.
وكتب الدكتور فراس مقصد “ليس هناك ما يضمن أن إعادة الاتفاق النووي مع إيران سيؤدي إلى شرق أوسط أكثر استقرارًا. فبمجرد رفع معظم العقوبات الغربية، فمن المرجح أن تزداد شهية إيران للتوسع. وقد يؤدي هذا إلى مزيد من الصراع، ويقوي التصميم السعودي على مجاراة إيران من خلال أن تصبح دولة نووية، ويجر الولايات المتحدة في تدخلات عسكرية مستقبلية.”

وتبدو دوافع السعودية لتنويع شركائها الدوليين اليوم أقوى مما كانت عليه سابقًا بعد أن تلقت مثل أغلب دول المنطقة إشارات سلبية من واشنطن تجلّت في سلسلة السياسات والمواقف الصادرة عن إدارة بايدن، والتي انطوت على قدر كبير من التساهل والمرونة إزاء إيران ووصلت في بعض الأحيان حدّ التضارب مع المصلحة السعودية، وهو ما تجسّد في سحب معدّات دفاعية من السعودية ودول أخرى في المنطقة.
وحذر الأمير تركي الفيصل رئيس المخابرات السعودية السابق من أن التوصل لاتفاق مع إيران بشأن برنامجها النووي قد يدفع دولًا أخرى في المنطقة لبدء تطوير وقود ذرّي.

وقال الأمير تركي الفيصل إن السعودية وغيرها من الدول ستسعى في هذه الحالة للحصول على الحق نفسه.
وأضاف “قلت دائما، مهما كانت نتيجة هذه المحادثات فإننا سنريد المثل، لذا إذا كان لإيران القدرة على تخصيب اليورانيوم بأي مستوى، فإن السعودية لن تكون الوحيدة التي تطلب هذا الأمر”.
وتسعى طهران لتقديم نفسها عرابًا لشؤون المنطقة وتقرير مستقبل دول العراق، وسوريا ولبنان واليمن.
وأعلنت طهران في آذار 2015 أنها صارت “تسيطر على أربع عواصم عربية”. وأعلنت نفسها “إمبراطورية عاصمتها بغداد”، وفق تصريحات مستشار الرئيس الإيراني للشؤون الدينية والأقليات، علي يونسي.
وتسعى الميليشيات الموالية لإيران في العراق، لتأمين “هلال من التأثير” عبر العراق وسوريا، يصل إلى الشرق الأوسط، فيما كان العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أول من تحدث في كانون الأول من عام 2004 عن سعي إيران لإقامة “هلال شيعي” في المنطقة.





