أخبار الرافدين
طلعت رميح

أحوال الدنيا

ليست مجرد حرب بين روسيا وأوكرانيا!

يعلم الساسة والخبراء، أن العمليات العسكرية الجارية بين الجيشين الروسي والأوكراني، ليست إلا مظهرًا حربيًا لصراع أوسع وأعمق على الصعيد الدولي. ليست مجرد حرب بين روسيا وأوكرانيا، بل هي صراع دولي يجري على الأرض الأوكرانية. صراع بين روسيا ومن خلفها الصين، من جهة، والولايات المتحدة وبريطانيا ومن خلفهما بعض دول أوروبا، في الجهة الأخرى.
الساسة والخبراء يعلمون أن الحرب الأوكرانية تجري ضمن ملفات صراع دولي متعدد الأطراف وذو أهداف استراتيجية تتعلق بأسس النظام الدولي، وأنها ورقة في ملف سلسلة حروب وصراعات جارية منذ انتهاء الحرب الباردة. ويعلمون أن مكان وقوعها لا يعني أنها مجرد حرب روسية أوكرانية. ولذلك جرت أحاديث التهديد النووي بين الأطراف الأصلية للصراع دون ذكر أوكرانيا.

لم يهدد بوتين بالنووي ضد أوكرانيا، بل كانت رسالته موجهة للولايات المتحدة وبريطانيا ولحلف الأطلنطي.
لكن الإعلام الغربي وما يتبعه من إعلام عربي، يركز في متابعاته على الجانب العسكري في الميدان وكأن ما يجري هو مجرد حالة حرب بين الجيشين الروسي والأوكراني.
يستهدف الإعلام توصيف ما يجري، فيوجه المشاهدين إلى أن الأطراف الدولية تساهم في الصراع كمساند خارجي لهذا الطرف أو ذاك. يتابع أعمال التسليح للطرف الأوكراني وتنشر أخبارًا بتلقي روسيا مساعدات عسكرية من الصين، ليؤكد أن الأطراف الدولية لا تنخرط في الحرب إلا من زاوية المساندة والمساعدة، فيما تلك الأطراف هي الأصيلة في الصراع والحرب.
واقع الحال أن الحراك الإعلامي يقصد، مع سبق الإصرار والترصد، حرف أنظار المتابعين وتضليلهم عن الصراع الأساسي وأطرافه الفاعلة، التي كانت صاحبة قرار الحرب هي لا غيرها.
موجهو هذا الإعلام مثلهم مثل الساسة والخبراء، يعلمون أننا نتابع واحدًا من أعقد الصراعات الدولية المتعلقة بالنظام والتوازنات الدولية. وأن الصراع يجري لتغيير تلك التوازنات وإعادة بناء نظام دولي جديد كما تستهدف روسيا، أو لاستمرار نظام القطب الواحد كما تستهدف الولايات المتحدة. وأن أوكرانيا هي فقط دولة محل للصراع وليست أساس وقوع الصراع. ولو لم يكن الأمر صراعًا دوليًا على أهداف ستؤثر على النظام الدولي، لكانت مشكلة أوكرانيا قد حلت سلمًا أو حربًا في أيام.

العالم يشهد محاولة شاملة وبكل أدوات الحرب والاقتصاد والسياسة والدبلوماسية لإعادة ترتيب توازناته لبناء نظام دولي جديد، وحرب أوكرانيا هي نقطة صدام على رقعة شطرنج على الخط الواصل بين أستراليا في أقصى جنوب الكرة الأرضية إلى دول البلطيق في أقصى الشمال.

هذا الصراع شمل ويشمل الحروب والنزاعات الممتدة عبر باكستان وأفغانستان وإيران وسوريا وجورجيا وأرمينيا وأذربيجان وتركيا واليونان وصولًا إلى دول البلطيق الثلاث. وخلف هذا الخط الاستراتيجي الذي يمكن وصفه بالصدع الأرضي بين الشرق والغرب، جرت وتجري صراعات بين الصين والولايات المتحدة وبريطانيا، بهدف إشغال الصين في محيطها الإقليمي لتقليل اندفاعها الدولي، وجرت وتجري خلفه صراعات لمنع روسيا من التمدد خارجه لتصبح قطبًا دوليًا منافسًا بشراستها المعهودة تاريخيًا.

أوكرانيا أحد أوراق الصراع الدولي، كما كانت الحرب على العراق وأفغانستان وجورجيا، كما تجري الصراعات حول بحر الصين الجنوبي وتايوان وكوريا وجميعها تهدد بالتحول إلى حروب.

والحاصل في الصراع الجاري في أوكرانيا، إن روسيا تدير معركة استراتيجية شاملة لتغيير النظام الدولي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة وبريطانيا وتسعى للتحول إلى قطب دولي مؤثر بمصالحه ورؤاه في إدارة العالم، وتسعى لاستنهاض أقطاب دولية أخرى على رأسها الصين وأوروبا والهند والبرازيل وغيرها ضمن خطة التحول إلى نظام دولي متعدد الأقطاب.

روسيا تدير صراعًا منذ سنوات ضد الهيمنة الأمريكية، استعدت له بتطوير أسلحتها الاستراتيجية لفرض معادلات قوة جديدة، وبتطوير وإعداد الاقتصاد الروسي ليصبح قادرًا على مواجهة أعمال العزل والتطويق وليكون قادرًا على إضعاف هيمنة الدولار. واستعدت له من خلال تعزيز سيطرتها في محيطها الحيوي –وفق مبدأ محيط التأثير- ووصلت حد الحرب كما جرى في جورجيا وفي سوريا ومن خلال ضم شبه جزيرة القرم وتقسيم أوكرانيا في عام 2014.

وضمن ذلك جرى تشكيل منظمة الأمن الجماعي التي تضم دولًا كانت ضمن هيمنة روسيا خلال تجربة الاتحاد السوفيتي السابق وجرى إطلاق حلف تدرجي التطور كما هو الحال في ميثاق شنغهاي الموقع في عام 2000.

وفي المقابل، تدير الولايات المتحدة الصراع ضد روسيا والصين وغيرهما، لاستمرار هيمنتها الكلية على النظام الدولي، وفق قاعدة أن كل دولة تتطور وتقوى في العالم، تنقص من استمرار هيمنة الولايات المتحدة وبريطانيا على القرار الدولي.

وهي تسعى من خلال الحرب مع روسيا على الأرض الأوكرانية إلى تحقيق تمركزها العسكري في أوروبا الشرقية لتكون على مرمى حجر من الاشتباك مع مقومات الأمن القومي الروسي. كما تسعى لأضعاف روسيا وتقويض قدراتها الشاملة لتتفرغ من بعد للصراع المباشر مع الصين.

 

اظهر المزيد

مواضيع ذات صلة

شاهد ايضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى