أخبار الرافدين
تقارير الرافدين

أزمات تهدد الأمن الغذائي في العراق ولا حلول جوهرية للحكومة

بيانات رسمية: المخزون الاستراتيجي للحنطة في العراق لا يسد حاجة البلد لأكثر من شهر واحد

بغداد – يعاني العراق منذ الغزو الأميركي عام 2003 وحتى الآن من مشكلة تهدد اقتصاده الريعي بشكل دائم، وهي نقص الإنتاج الوطني وعدم القدرة على تغطية الطلب المحلي والاعتماد بنحو 90% على المستورد الأجنبي.مما انعكس بشكل خطير على قطاع الزراعة والأمن الغذائي.

ونتيجة للسياسات الفاشلة، لم تنجح الحكومات المتعاقبة في إعداد برامج واضحة لإدارة الدولة أو خطط تنموية للنهوض بالاقتصاد الوطني المتدهور.

على ضوء ذلك واجه قطاع الزراعة كغيره من القطاعات إهمالًا واضحًا كما هو ملاحظ من عدم دعم الإنتاج الزراعي واعتماد الدولة على الاستيراد لسد حاجة المواطن.

وتشير التقارير إلى أن التركيز على الاستيراد قد كان تحت تأثير الفساد الإداري المنظم والمدعوم من جهات سياسية حاكمة مستفيدة من عوائد عقود وزارة التجارة ولو على حساب تشجيع الزراعة والمنتج الوطني.

كذلك، لم تنجح هذه الحكومات في التعامل العلمي والمهني مع مشاريع التنمية الزراعية الحديثة، وبرامج الاكتفاء الذاتي، وطبيعة الأرض والمياه.

وتعاني الأراضي الزراعية في الوقت الحاضر من انحسار كبير في المساحة المزروعة، يرافقه انخفاض في عائدية الهكتارات الزراعية، مع ارتفاع في ملوحة التربة، مع ندرة في كميات المياه المستعملة ونقص في مشاريع البزل والتصريف.

هذهِ المشكلات هي حصيلة فساد حكومات الاحتلال والتي تتطلب جهودًا استثنائية لمعالجتها، إذ بلغت مساهمة قطاع الزراعة والصيد والغابات 2.9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في العراق في عام 2020 .

وهو يشكل نسبة منخفضة جدًا بالمقارنة مع معظم الدول العربية، وفقًا لإحصاءات التقرير الاقتصادي العربي الموحد 2021.

وكان حجم إنتاج العراق من محصول القمح خلال الموسم الشتوي للعام 2021 قد بلغ 4 ملايين و234 ألف طن، مسجلًا تراجعًا بنسبة 32% عن إنتاج عام 2020 الذي بلغ 6 ملايين و238 ألف طن، وفق الجهاز المركزي للإحصاء التابع لوزارة التخطيط في العراق.

وأظهرت بيانات رسمية عراقية الجمعة أن الخزين الاستراتيجي للعراق من الحنطة لا يسد حاجة البلاد لشهر واحد.

وحذر تقرير لديوان الرقابة المالية في العراق من أن الخزين الاستراتيجي للعراق من الحنطة في مخازن الشركة العامة لتجارة الحبوب لغاية نهاية شهر آذار الماضي يبلغ 373 ألف طن موزعة بواقع 269 ألف طن حنطة محلية و104 ألف طن حنطة أسترالية مستوردة.

وأوضح التقرير أن الخطة التسويقية لمحصول الحنطة للعام الحالي أظهرت أن الحاجة الشهرية من مادة الحنطة للحصة الواحدة من البطاقة التموينية تبلغ بحدود 450 ألف طن أي أن الخزين لايسد حاجة شهر واحد من الإحتياج الفعلي.

وذكر أن معدل إنتاج الحنطة الفعلي في العراق للعام الحالي انخفض إلى ما بين 2 مليون و2 مليون و500 ألف طن بسبب تقليص الخطة الزراعية جراء شحة المياه في العراق.

وطالب التقرير بتوفير كميات للخزين الاستراتيجي من خلال إستيراد الحنطة وكذلك من الإنتاج الوطني.

من جانبها، وفي وقت سابق، اعتمدت الحكومة الحالية القانون الطارئ للأمن الغذائي لشراء 5 ملايين طن من القمح تتضمن مليوني طن للمخزون الاستراتيجي في وقت تستمر فيه الأحزاب الحاكمة بنهب مقدرات البلاد على مدار 19 عامًا الماضية بإقرار أرباب العملية السياسية إذ أن ما تم تهريبه من أموال لخارج العراق والتي بلغت 150 مليار دولار منذ عام 2003 بحسب تصريح رسمي كفيل بإصلاح الوضع الاقتصادي الحالي للعراق

وتعد الحبوب كالحنطة (القمح) والشعير من المحاصيل الإستراتيجية في العراق المساهمة بتعزيز الأمن الغذائي، لكن سرعان ما أصبحت ملفًا معقدًا ينذر بأزمة مرتقبة لزيادة الطلب الداخلي نتيجة ضعف إنتاجه المحلي وقلة المستورد منه لارتفاع أسعاره وغياب التخطيط الاستراتيجي لأمن البلاد وما سببته الحرب الروسية الأوكرانية، وهما من أهم البلدان إنتاجًا للحبوب في العالم.

ويعتقد الباحث والمحلل الاقتصادي”خالد تركاوي” أن موادًا مثل القمح والذرة والشعير ستكون الأكثر تأثُّرًا بالغزو الروسي لأوكرانيا، وهو ما سينعكس بنفس التأثير على سلع أخرى مرتبطة بها مثل الخبز  واللحوم بنوعيها البيضاء والحمراء، وذلك لارتفاع أسعار الأعلاف.

ويعتبر العراق من بين الدول العربية المهددة بارتفاع أسعار الخبز فيها، على وقع قرارات منع تصدير القمح وتبعات الحرب الدائرة بين موسكو وكييف.

وكشف وزير التجارة الحالي علاء الجبوري، أن وزارته تعمل لتهيئة مخزون استراتيجي من القمح باستيراد 3 ملايين طن، وتخصيص 100 مليون دولار للشراء العاجل.

وتشهد أسعار القمح ارتفاعًا كبيرًا مقتربة من المستويات القياسية التي سجلتها عام 2008 وسط توقعات بأن تتجاوزها، مع تصاعد آثار الحرب الروسية الأوكرانية على الأسواق العالمية.

ويقول الخبير الاقتصادي العراقي عبد الرحمن المشهداني، “ستطول الأزمة الأوكرانية بالتأكيد وستطال العراق كما مختلف دول المنطقة والعالم، لهذا نحن نحتاج لتوفير بدائل ومصادر جديدة، وتشجيع الإنتاج الزراعي المحلي، خاصة من الغلال والحبوب”.

وفي هذا السياق، يرى المستشار الاقتصادي مصطفى البزركان أن العراق لا يملك خطة استراتيجية لضمان الأمن الغذائي، منددًا “بعدم وجود وفرة ومخزون طوارئ لمواجهة أي أزمة أو زيادة غير معتادة في الطلب، على سبيل المثال لا يوجد تخزين استراتيجي من القمح أو الحبوب وكذلك من السلع الغذائية المطلوبة.

ويوضح أن الحرب في أوكرانيا مهّدت الفرص للتجار للمضاربة برفع أسعار السلع الأساسية (الطحين والسكر والزيوت)، معتقدًا أن العوامل التي يُروّج لها كأسباب أدت إلى ارتفاع الأسعار في العراق، هي “أسباب واهية” كون البلاد وبحسب تصريح المتحدث باسم وزارة التجارة، لا تستورد القمح من أوكرانيا وروسيا، بل إنها تعتمد على القمح  المستورد من أستراليا وكندا والولايات المتحدة الأميركية.

وأشارت، تقديرات وزارة الزراعة الأمريكية حول العام الماضي، إلى أن الشرق الأوسط، استورد أكثر من 36 مليون طن متري من القمح، جاء معظم هذه الشحنات من روسيا وأوكرانيا، وأن اعتماد دول المنطقة على واردات الحبوب من الخارج، آخذ في الازدياد. متوقعة تضاعف واردات العراق وسوريا وإيران من القمح خلال العام الحالي، بسبب الجفاف الإقليمي الذي يحد من الإنتاج المحلي في هذه الدول.

ومن جانبه، أوضح وزير الزراعة الحالي محمد كريم الخفاجي أن المخصصات المالية للقطاع الزراعي ضمن موازنة العام 2021 كانت ضعيفة جدًا، ولم تستطع الوزارة توفير الأسمدة التي تعد أحد أهم مفردات زراعة محاصيل الحبوب في العراق.

وأضاف الخفاجي، أن عملية زراعة محاصيل الحبوب تعتمد بنسبة 50% على الأسمدة التي لم تستطع الوزارة توفيرها عن طريق القطاع الخاص الذي تم تسليمه 100 إجازة استيرادية.

وأشار، إلى أن السنة الحالية هي أسوأ سنة مرت على تاريخ وزارة الزراعة بسبب ارتفاع أسعار المحاصيل الإستراتيجية من الحنطة والشعير والذرة الصفراء نتيجة ارتفاع أسعار الأسمدة عالميًا بسبب الحرب الروسية على أوكرانيا، فضلًا عن ندرة مياه الأمطار على العراق وقلة المخصصات المالية.

وكشف الخفاجي عن تخصيص نحو تريليون و300 مليار دينار (6.8 مليارات دولار) ضمن القانون الطارئ للأمن الغذائي والتنمية الذي يُنتظر أن يمرره مجلس النواب لشراء الأسمدة والأعلاف وتسديد مستحقات الفلاحين وتطوير مشاريع الذهب الأخضر الأخرى ودعم الثروة الحيوانية.

بموازاة ذلك، أكد المختص في شؤون الزراعة والمياه علاء البدران أن الجهات الحكومية لم تستطع معالجة عجز توفير محاصيل الحبوب الإستراتيجية.

وقال البدران، إن الحكومة العراقية عليها تأمين معدات الري بالرش حتى يتم الاقتصاد بالمياه من أجل توسيع المساحات المزروعة للمحاصيل الإستراتيجية.

وأضاف، أن أغلب مناطق العراق الشمالية والشرقية تزرع المحاصيل الإستراتيجية كالقمح والشعير وغيرها، والآن ساهمت ظاهرة الاحتباس الحراري وقلة تساقط الأمطار إضافة إلى شح المياه السطحية القادمة من دول الجوار بتقلص كبير في مساحات زراعة الحبوب بالعراق.

ولفت المختص، إلى أن الحكومة الحالية قررت خلال الموسم الزراعي الماضي تقليص المساحات المزروعة لعدم توفر المياه الكافية، وعلى ضوء ذلك لم يلتزم المزارع بالقرارات الحكومية وقام بزراعة محاصيل الحبوب على حساب الإفراط في استخدامات المياه.

بدوره، أشار الأكاديمي الاقتصادي الدكتور حسين الشامي إلى عاملين داخلي وخارجي يحولان دون نمو المحاصيل الزراعية الإستراتيجية الأساسية كالحنطة والشعير وأرز الشلب.

ويتمثل العامل الداخلي، في إخفاق السياسات الحكومية الاقتصادية والزراعية وبالتالي التقصير في دعم الفلاح والمنتج المحلي، كتوفير الأراضي الملائمة وحصص المياه والأسمدة، فضلًا عن التمويل المالي لإقامة مشروعات زراعية بمنحها قروضًا ميسرة.

أما العامل الخارجي، فهو إخفاق السياسات الجمركية وقيودها على المنتج الأجنبي، لعدم قدرة المنتج المحلي على التنافس مع المحاصيل الأجنبية، فضلًا عن سياسات الإغراق التي تنتهجها دول الجوار المساهمة بإفشال المشاريع التنموية المحلية، وعدم استطاعة العراق تحقيق الاكتفاء الذاتي لسد الطلب المحلي كونه سوقا خصبة لتلك المنتجات والسلع الرخيصة.

من جهته، أشار رئيس مؤسسة عراق المستقبل للدراسات الاقتصادية منار العبيدي إلى أهمية دعم الأمن الغذائي وزيادة الإنتاج وتحسين نوعية البذور عن طريق تبادل الخبرات مع الدول التي نجحت بذلك، مثل الصين التي قامت بإنتاج 700 مليون طن سنويًا من القمح باستخدام تقنيات وراثية وحديثة للزراعة.

وأضاف أن أهمية القمح ستظهر بشكل كبير خلال الأشهر القادمة مع انتهاء مخزون الحنطة في العراق وعدم تجاوز الإنتاج المحلي لهذه السنة 3 ملايين طن في أحسن حالاته، فيما توقع أن يفوق العجز حاجز 4 ملايين طن.

اظهر المزيد

مواضيع ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى