أخبار الرافدين
تقارير الرافدين

هل يجرؤ القضاء العراقي على محاسبة ميليشيات تهريب الاثار

العراقيون يتوقون أن يصدر القضاء أحكاما على مافيا وميليشيات تهريب الاثار المعروفة بنفس حكم المهرب البريطاني جيمس فيتون.

بغداد- الرافدين

تحول قرار محكمة في بغداد بسجن بريطاني أدين بتهمة محاولة تهريب قطع أثرية من البلاد مدة 15 عاما، بينما برأت المحكمة ألمانياً حوكم في إطار القضية ذاتها. إلى تساؤلات عن حقيقة جدية القضاء العراقي في محاسبة مافيا تهريب الاثار التي تديرها ميليشيات معروفة ومشاركة في العملية السياسية.
وبرغم الترحيب بمحاسبة مهربي الاثار، بما فيهم البريطاني جيمس فيتون والألماني فولكار فادلمان، إلا ان قرار المحكمة أخذ مساحة إعلامية مبالغ فيها، بسبب أن مافيا تهريب الاثار مستمرة في سرقاتها تحت أعين الحكومة ولا أحد يجازف بالاقتراب منها.
وكان للاحتلال الأمريكي عام 2003 الدور الأكبر بنهب وسرقة الآثار العراقية، حيث تعرضت المواقع إلى عملية نهب ممنهجة طالت المتاحف والمواقع الأثرية، ومازالت المواقع ميدانًا لعمليات حفر غير شرعية تقوم بها مافيا الآثار بحماية ميليشيات مسلحة، مقابل عجز حكومي عن حماية المواقع الاثارية.
وفقد العراق أكثر من 15 ألف قطعة أثرية من متحف بغداد وحده، تعود إلى حضارات مختلفة بدءًا من السومرية قبل 4 آلاف عام ومرورًا بالبابلية والآشورية وصولًا إلى الحضارة الإسلامية.
وأعلن محامي البريطاني جيمس فيتون أنه سيستأنف الحكم الصادر.
وقالت عائلة البريطاني إنها “مدمرة تماماً” جراء هذا الحكم، داعيةً الحكومة البريطانية إلى “التحرّك”.
وأوقف البريطاني جيمس فيتون (66 عاماً) والألماني فولكار فادلمان (60 عاماً) في مطار بغداد الدولي في العشرين من آذار، وكان فيتون يحمل في حقيبته عشر قطع أثرية هي عبارة عن كسارات سيراميك وفخار بغالبيتها، فيما كانت بحوزة فالدمان قطعتان قال إن رفيقه في الرحلة سلّمه إياهما.
ويضمّ العراق الذي كان تاريخياً مهد حضارات بلاد ما بين النهرين مثل السومرية والبابلية، آثاراً كثيرة ضاربة في القدم لا يزال بعضها قائماً حتى الآن. وتتعرض هذه الآثار للسرقة والتهريب فيما القانون العراقي منذ النظام السابق صارم جداً إزاء هذه الجرائم.
وقال محامي فيتون، ثائر سعود لوكالة الصحافة الفرنسية “سنقوم بتمييز الحكم خلال يومين، ويمكن لمحكمة التمييز أن تقرر إلغاءه أو تخفيفه أو الإبقاء عليه”، معتبرا أنه “مشدد جدا”.
وفي الجلسة الأولى لمحاكمتهما، قال فادلمان، وهو طبيب نفسي يقيم في برلين، في إفادته إنه “لم تكن هناك أي إشارة بأنّ تلك القطع أثرية ويمنع أخذها”.
ويرى مراقبون أن على حكومة مصطفى الكاظمي والقضاء الا يحتفلان بما أسمته وسائل الاعلام الحكومية إنجازا في سجن البريطاني فيتون، لأن مافيا التهريب تنشر في المواقع الاثارية وبحماية الميليشيات.
وتدرك الحكومة أن مافيا تهريب الآثار موجودة أصلا وهي واحدة من أقوى لوبيات الفساد في العراق، كما كشفها قبل عام الصحافي الشجاع روبرت وورث في تقرير مفصل في صحيفة نيويورك تايمز.
ووفق الصحفي كرم نعمة لا تكتفي عملية تهريب الآثار بلصوصية البحث عن الأموال، بل متعلقة بهدف سياسي شرير لمحو هوية العراقيين وذاكرتهم الجماعية وتقديمهم مجرد شعب منقسم على نفسه يعلي من شأن الطوائف والقوميات ويحطّم ثروته الأثرية، أكثر من كونه ساهم في بناء الحضارة الإنسانية.
واعتبرت ندى الشبوط أستاذة التاريخ والفن في جامعة شمال تكساس “تم نسيان الكارثة الثقافية التي بدأت في العام 2003. وبعد ما يقرب من عقدين من المناشدات التي لم تجد صدى لها، من أجل العمل الدولي الجماعي لإعادة الآثار العراقية، يتم الاحتفال اليوم بانتصار صغير، لكن كما يبدو أن حجم الخسارة أكبر بكثير، والمتسبب بها لا يواجه أي عقاب، بينما يدفع الشعب العراقي الثمن”.
وتوجد شبكة واسعة ضالعة في تهريب آثار من الشرق الأدنى والأوسط وتضم في صفوفها رئيسا سابقا لمتحف اللوفر، عن تجارة غير قانونية متنامية على نطاق واسع منذ احتلال العراق عام 2003.
وفي صلب حركة التهريب هذه: قطع منهوبة من مواقع أثرية بينها مقابر تشبه “متاجر سوبرماركت حقيقية في الهواء الطلق”، في “بلدان تعاني من الحرب أو الاضطرابات السياسية”، مثل سوريا أو العراق أو مصر، على ما يقول أستاذ الآثار الشرقية في جامعة بواتييه فنسان ميشال لوكالة الصحافة الفرنسية.
ويصف هذا الخبير في مكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية بأنها “سلسلة معقدة”، تبدأ ببلدان المصدر، ثم تمر ببلدان العبور (آسيا ودول الخليج وإسرائيل ولبنان) وصولا إلى دول المقصد (البلدان الناطقة بالإنكليزية وأوروبا، وأيضا روسيا بشكل متزايد أو اليابان أو الصين أو دول الخليج) التي تضم مشترين والكثير من المتاحف أو مشاريع المتاحف.
ويؤكد الأخصائي الذي يحاضر باستمرار في مؤتمرات اليونسكو، أن “هذه الحركة التي ولدت من عمليات حفر سرية وتفاقمت بسبب الفقر، آخذة في الازدياد منذ 2011″، مضيفا “لم يعد في الإمكان التقليل من حجمه”.
وقد احتل هذا الموضوع عناوين الأخبار في أنحاء العالم أجمع في الأيام الأخيرة بعد الكشف عن تحقيق في عمليات تهريب آثار على نطاق واسع، يُشتبه بأن جان لوك مارتينيز، الرئيس السابق للوفر، أكبر متحف في العالم، ضالع فيها.
وأعلن متحف اللوفر أبوظبي ومتحف اللوفر الباريسي الأسبوع الماضي أنهما طرف مدني في هذه القضية.
وفي ظل “استحالة تقدير قيمته بالأرقام”، فإن تهريب الآثار العالمية يطاول قطعا بـ”عشرات ملايين أو حتى مئات ملايين” الدولارات.
ويؤكد ميشال الذي يدرب الأجهزة المتخصصة في الشرطة والقضاء والجمارك، أن “إيرادات سوق الفن القانونية تقرب من 63 مليار دولار، ما يثير شهية المهربين على الكسب المادي”.
ويحذر من أن هذه التجارة غير المشروعة “تغذي الجرائم الصغيرة وعصابات الجريمة المنظمة على السواء”.
ويقول إن هذه الشبكات “مرتبطة بتهريب المخدرات والأسلحة، وهي جزء من جريمة منظمة متعددة الأشكال لغسيل الأموال”، بما “يخدم العصابات وتجار المخدرات والجماعات الإرهابية”.
ويأسف ميشال لأن هذه “الجريمة العابرة للحدود الوطنية تغذي اقتصاد النهب الذي يهتم بأمننا القومي. وهي تشكّل أيضا انتهاكا دائماً للتراث لأن الشيء المنهوب الذي يُخرج من سياقه يفقد كل قيمته العلمية”.

اظهر المزيد

مواضيع ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى