أخبار الرافدين
طلعت رميح

أحوال الدنيا

لماذا تجددت حرب التيغراي؟

تجددت المعارك بين جيش الحكومة المركزية في إثيوبيا وجيش قومية التيغراي. لم تفلح التسوية الصامتة والمفاوضات السرية التي أوقفت إطلاق النار في العبور بالبلاد إلى اتفاق يقبله الطرفان فعادت الحرب مجددًا.
وقد يبدو غريبًا القول إن تلك الحرب التي تجددت في الأيام الماضية إن توقفت نتيجة لوساطة من هنا أو هناك أو لتوازن القوى ستعود لتندلع من جديد، هذا ما يؤكده تأريخ هذا البلد.
فتأريخ إثيوبيا ليس إلا سلسلة مستمرة من الحروب الداخلية للسيطرة على السلطة أو حتى للانفصال، كما أن تأريخها هو حالة دائمة من الحروب مع المحيط الجغرافي إذ لم تتوقف إثيوبيا قط عن غزو واحتلال واقتطاع أراضي الدول المجاورة.
وبذلك سجلت إثيوبيا نمطًا خاصًا من أنماط الدول الاستعمارية، فهي دوله مليئة بالحروب الداخلية وعدم الاستقرار لكنها قادرة على شن الحروب على دول الجوار.
لقد تشكلت الدولة الأولى على الهضبة الإثيوبية وسط تضاريس صعبة دون منفذ على البحار، فتوسعت بالحرب والضم القسري لأراضٍ ولمواطنين من قوميات من بلدان أخرى حتى جرى حشر نحو 80 قومية داخل جغرافيتها.
داخل السور الجغرافي لإثيوبيا حالة صراع دائمة يجري بعضها بهدف الانفصال والعودة للدول التي انتزعت منها الأرض والمجموعات السكانية –السودان والصومال-وبعضها بهدف السيطرة على السلطة المركزية في البلاد –كما هو الحال بين التيغراي والأمهرا والأورومو أيضًا- وبعضها يجري لتسخير قدرات الدولة لتحقيق مطامح استعمارية في دول الجوار إذ لا تزال هناك مطالبات بضم إريتريا كاملة والسودان من الحدود وحتى الخرطوم.
هذه الحركة الاستعمارية جعلت إثيوبيا بلدًا خليطًا من القوميات المتضادة والمتصادمة بين مكوناتها، وجعلتها في وضع متصادم مع محيطها أو مع القوميات المجاورة، وبعضها له امتدادات داخل إثيوبيا، ما جعل الصراعات في داخلها صراعات مع محيطها، والصراعات مع محيطها صراعات في داخلها.
شنت إثيوبيا حربين على الصومال-عامي 1964 و1977 – احتلت ولا تزال إقليم الأوجادين الصومالي وضمته إلى جغرافيتها. وعقب سيطرة حركة المحاكم الإسلامية على نحو 80 بالمائة من أراضي الصومال تدخلت إثيوبيا بقواتها –بدفع أمريكي معلن- وأطاحت بحكم المحاكم واحتلت الصومال كاملًا.
واستولت إثيوبيا على إريتريا وخاضت حربًا طويلة مع جبهات تحريرها وبعد استقلال إريتريا عادت إثيوبيا واحتلت أجزاءً من أراضيها في حرب بدأت في أيار 1998 وانتهت في أيار 2000، دون ترسيم الحدود.
ولم تنته الحرب فعليًا إلا حين قرر آبي أحمد شن الحرب على إقليم التيغراي. توافق آبي أحمد مع أسياس أفورقي رئيس إريتريا-العدو اللدود للتيغراي- على ترسيم الحدود وتحركا سوية للحرب عليها وهي التي ما تزال تطالب بضم إريتريا ولها امتدادات قومية في داخلها.
ودخلت إثيوبيا في صراعات مستديمة لأكثر من قرن مع السودان وما تزال، ضمت خلالها أجزاءً من أراضيه حتى إن الأرض التي بنى عليها سد النهضة ليست إلا أراضي سودانية منحت لإثيوبيا مطلع القرن العشرين برعاية بريطانية، لتفادي غزو واحتلال إثيوبيا لمنطقة تمتد من شرقي السودان وحتى الخرطوم.
وعلى صعيد صراعات الداخل، فقد انتهى حكم الإمبراطور هيلا سيلاسي عام 1974، بالقتل في انقلاب عسكري.
وقد رسخ منغستو هيلا مريام أقدامه في السلطة بعد تصفية أبرز قادة الانقلاب وتبنى الاشتراكية لكن نظامه سقط بعد حرب طويلة خاضتها ضده جبهة التيغراي ضمن تحالفات مع قوميات أخرى، وفر هاربًا إلى زيمبابوي عام 1991.
وإذ وصل للحكم ميليس زيناوي واستمر في الحكم حتى وفاته، فقد تمكن من تأسيس سيطرة كاملة لقومية التيغراي على أجهزة الدولة.
عقب وفاة ميليس زيناوي وصل للحكم ديسالين الذي لم يكن من أحد القوميتين المتصارعتين على الحكم –التيغراي من جهة والأمهرا من جهة أخرى- واستمر في الحكم حتى عام 2018، إلا أنه أسقط تحت وقع مظاهرات واضطرابات قادتها قومية الأمهرا، ليصل آبي أحمد للحكم بحركة انقلاب ناعمة على حكم التيغراي.
دعمت أوروبا آبي أحمد ومنحته جائزة نوبل للسلام في بداية حكمه التي طرح خلالها شعارات فوق قومية فبدا وكأنه يعيد تأسيس الأمة الإثيوبية الحديثة.
لكن آبي أحمد أحدث تغييرات حادة لخدمة قوميته، أنهى بها سيطرة القادة العسكريين والأمنيين المنحدرين من التيغراي، حتى وصف بأنه امتداد لحكم هيلا سيلاسى ومنجستو وهم من الأمهرا.
ما دفع التيغراي للاستعداد للحرب مجددًا، وكان الاختلاف حول موعد إجراء الانتخابات الشرارة التي أطلقت الحرب عام 2020، وخلال مرحلتها الأولى حققت قوات التيغراي انتصارات كبرى ذكرت بزحفهم لخلع منجستو، ولم يعد يفصل بين قواتهم والعاصمة أديس أبابا سوى مسير عدة أيام.
تدخلت قوى دولية وإقليمية أهمها الصين وأمدت الجيش الإثيوبي بالسلاح الحديث فتمكن من هزيمة التيغراي وانتزاع الأراضي التي سيطروا عليها لكن قوى دولية وإقليمية أخرى، أهمها الولايات المتحدة تحركت ومنعت آبي أحمد من دخول عاصمة إقليم تيغراي.
تأسست معادلة واضحة لا انتصار كاملًا لآبي أحمد ولا هزيمة كاملة للتيغراي. والآن تتجدد المعارك وإن توقفت مرة أخرى ستندلع من جديد.

اظهر المزيد

مواضيع ذات صلة

شاهد ايضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى