أخبار الرافدين
تغطية خاصةتقارير الرافدينحكومات الفساد في العراق

مجلة “إيكونوميست” تقع في فخ التسطيح وتُشبه مقتدى الصدر بالمهدي المنتظر

الدكتور مثنى حارث الضاري: قيادة التيار الصدري لا تُحسن العمل السياسي في بيئة تفتقر لقواعد الحكم والمواقف النهائية.

لندن- الرافدين
سقطت مجلة “إيكونوميست” العريقة في فخ السطحية المريع عندما قرأت أحداث العراق من خلف عدسات السائح الغربي تأسيسا على الخرافة التاريخية وشبهت اعتزال زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر للعمل السياسي، بغيبة المهدي المنتظر وفق المرويات الشيعية.
وكتبت المجلة الأسبوعية البريطانية التي بقيت محافظة على توزيعها في أوج أزمة الصحافة الورقية، في تقرير عن “الميليشيات الفاشلة والمأزق السياسي في العراق الذي تحول إلى عنف” ان اعتزال الصدر يشبه الى حد كبير اختفاء أمام الشيعة الأخير عام 873 ميلادية، الذي بات رمزا بعد أكثر من ألف عام لتحدي الظالمين.
وافترضت المجلة البريطانية في التقرير التحليلي الذي لا تكتب اسم كاتبه عادة، في تقليد صحفي عهدته هيئة التحرير، أن مقتدى الصدر يحذو حذو المهدي المنتظر في انسحابه النهائي من العمل السياسي.
وبدت القراءة السطحية من مجلة توصف بالعريقة، مثيرة للتهكم وتعبر عن جهل في قراءة ما يجري في العراق وعدم فهم لطبيعة شخصية مقتدى الصدر المتقلبة.
ولم تدرك المجلة في تقريرها ان الصدر سبق وأن انسحب من العمل السياسي خمس مرات وسرعان ما عاد.
وانسحبت قيادة التيار الصدري من العملية السياسية، في آب عام 2013، وفي شباط من عام 2014، وفي آذار من عام 2016، وفي تموز من عام 2021، وتكرر الانسحاب مرة أخرى في آب من 2022، ما يعني أن هناك خمس مرات انسحاب من قبل التيار الصدري انتهت بالتراجع والعودة، وبانتظار ما يحصل اليوم.
ويجمع مراقبون على أن الصحافة الغربية بحاجة أن تغادر المساحة الرمادية وتقديم قراءات دقيقة وواضحة لما يجري في العراق من فشل سياسي منذ عام 2003، وعدم الاعتماد على “ديناصورات الكتابة” الذين يتأملون المشهد العراقي والعربي من خلف عدسات السائح الغربي.
ولم تعد مثل هذه القراءات القاصرة لأحداث العراق الذي تتحمل بريطانيا والولايات المتحدة مسؤولية ما وصل اليه الحال من دولة فاشلة تديرها الميليشيات الطائفية ولصوص السياسية، بل أن القارئ الغربي بحاجة الى فهم حقيقة ما يجري في بلاد النهرين بعد أن تحولت الدولة الثرية إلى أداة لإفقار وتجهيل شعبها.
وعبر تقرير أسبوعية مجلة “إيكونوميست” عن الجهل فيما يجري بالعراق، والجهل المضاعف في قراءة شخصية متقلبة يمثلها مقتدى الصدر الذي كان شريكا ومساهما وداعما لعملية سياسية فاشلة منذ احتلال العراق من قبل القوات الأمريكية والبريطانية عام 2003.
وكان مسؤول القسم السياسي في هيئة علماء المسلمين في العراق الدكتور مثنى حارث الضاري، قد أكد أن قيادة التيار الصدري لا تُحسن العمل السياسي لكونها غير مؤهلة لذلك، فضلًا عن ادعائها الاعتزال وترك العملية السياسية بين حين وآخر لكنها تعود مرة أخرى بموجب توافقات وتفاهمات في إطار المحاصصة القائمة.
وأوضح الدكتور الضاري في محاضرة أقامها مجلس الخميس الثقافي في ديوان هيئة علماء المسلمين في العاصمة الأردنية عمّان، أن انسحاب التيار الصدري من البرلمان كانت خطوة مفاجئة لكثيرين، ولكنها كانت في سياق الضغط على الطرف الآخر، لأن الاستقالات وإن كانت موقعة من رئيس ما يسمى بمجلس النواب ولكنها لم تأتِ وفق السياقات التي توافقوا عليها، هذا أولًا، وثانيًا، لا يوجد شيء نهائي في العراق في ظل العملية السياسية، لأنه لا توجد قواعد حقيقية حاكمة، ولا يوجد نظام سياسي يحترم مجلس النواب، ولا توجد حياة سياسية حقيقية، وفي النتيجة لا توجد مواقف أخيرة للقوى السياسية، لأن هناك أطرافًا خارجية وداخلية داعمة ومؤيدة، تحاول إعادة الأمور إلى نصابها كلما تداخلت.
ووصف انسحاب نواب التيار الصدري بورقة ضغط لم تنجح، وإنما صَبَّت في مصلحة الإطار التنسيقي عندما جمع أكبر عدد من النواب لتشكيل كتلة أكبر، عن طريق انشقاقات أو ما يُسَمَّون بالمستقلين أو ما إلى ذلك.
وتهكم الكاتب السوري صبحي حديدي على معادلة الصدر بالمهدي المنتظر، المفترضة وفق اللجوء إلى التلويح بعودة المهدي ومنهجية الاعتزال، بانها تجييش الأنصار عبر تسخير رمزية مذهبية شيعية، حتى إذا كانت فاعلية التوظيف متضاربة أو حتى متناحرة.
وكتب حديدي “من المعروف أنّ الصفّ المناوئ للتيار الصدري شيعي بدوره، ولا يفتقر البتة إلى رمزيات كثيرة مستمدة من التراث الإثني عشري ذاته؛ بل يكفي المرء استذكار اسم الميليشيات الأكثر تورطاً في الممارسات المناوئة على غرار عصائب أهل الحق بقيادة قيس الخزعلي لإدراك مدى انخراط الميليشيات في استهلاك، وانتهاك، الرمزيات الشيعية”.
وتزامن تقرير مجلة “إيكونوميست” مع تحليل عميق للكاتب الأمريكي المتخصص بشؤون الشرق الأوسط مايكل روبين، قدم فيه قراءة واقعية للقارئ الغربي عن شخصية مقتدى الصدر.
وكتب روبين في مقال موسع بمجلة “ناشيونال إنترست” مع كل الذي حصل في العراق، يظل الاعتقاد بأن الصدر قد تغير مجرد هراء والتوهم بأنه يسعى إلى بناء عراق نزيه أو ليبرالي أو حتى محايد هو أيضًا هراء.
وقال “لفهم الصدر، من المهم تقدير طموحه الحقيقي. فهو يعارض ويسعى الآن إلى هدم النظام العراقي الحالي ليس لأن فساده المتأصل يضايقه، وإنما لأن الأخذ والعطاء السياسي يتعارض مع أجندته الأوسع”.
واضح الكاتب الأمريكي الذي أصدر مجموعة كتب من بينها “الأعمدة السبعة: ما الذي يسبب عدم الاستقرار في الشرق الأوسط حقًا؟” و”الرقص مع الشيطان” “لا يتعلق عداء الصدر الحالي تجاه إيران بأي خلاف أساسي مع طهران بقدر ما يتعلق بعدم رغبة الصدر في تقاسم السلطة أو الخضوع. ففي إيران، الأساس اللاهوتي لحكم المرشد الأعلى علي خامنئي مكرس في مفهوم ولاية الفقيه، بينما يطمح الصدر للقيادة مع أنه يعلم أنه لا يستطيع أبدًا اكتساب النفوذ الذي كان يمارسه والده أو آيات الله الحاليون في النجف لأنه يفتقر إلى التقوى. وحتى في إطار نظام ولاية الفقيه، قد يفرض إرادته سياسيًا وليس دينيًا.”
وأضاف مايكل روبين الذي سبق وأن زار العراق لفترات مطولة قبل الاحتلال الأمريكي عام 2003، ما افتقر إليه الصدر في الفطنة والتقوى عوضه بالطموح والفساد. بالنسبة له، لم تكن النجف موقعًا دينيا، بل مصدر ربح يمكن من خلاله تجميع ثروة. لقد صور نفسه كمدافع حقيقي عن السيادة العراقية، حتى عندما باع البلاد لإيران المجاورة. وقد استخدم تكتيكات المافيا لابتزاز الأموال وتقييد الأسواق، وحشد العصابات لتخويف المنافسين. كما وجدت شعبويته أرضًا خصبة في الأحياء الفقيرة في بغداد، واكتسب قوة سياسية نافذة. حتى عندما احتقرته الحوزة، شاركه السياسيون العراقيون. ورغم اختلاف فصيلهم، كان منطقهم متشابهًا: ألهم الصدر الجماهير، لكنه لم يستطع السيطرة عليهم. وكان فصيله منقسمًا. وعن طريق تصنع الاحترام، تمكن المنافسون من إخماد غروره بينما أبعدوا مؤيديه”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى