أخبار الرافدين
كرم نعمة

آلينا رومانوسكي طبيبة التسويف

بعد ساعات من نقلها من الكويت إلى بغداد، “شاعت مزاعم إخبارية آنذاك بانه نوع من العقوبة من إدارة بايدن” زعمت السفيرة الأمريكية آلينا رومانوسكي، بانها عاشقة التحديات، وأن العراق في ظل الظروف السياسية المتردية، الميدان الأفضل لتلك التحديات للاستمتاع بإيجاد الحلول لها.
لا أحد من المراقبين تبادر إلى ذهنه في كلام السيدة السفيرة، تعبير “التسويف” الذي يظهر نوعا من رأس المال الاجتماعي المتواضع والمتبجح، غير أن التسويف السياسي نوع آخر من الصبر الاستراتيجي وفق مشرعي العلوم السياسية. لكن من يُوجد لنا من السياسيين والدبلوماسيين من يبرع في تسويق التسويف من دون أن يصبح موضع تهكم شعبي واعلامي مفضوح.
الأمريكيون أنفسهم يتساءلون، إن كان الرئيس جو بايدن على ما يرام، أم بحاجة إلى طبيب سياسي يعالجه من الفشل. لقد حصل الرئيس الأمريكي على شهادة الفشل منذ اللحظات الأولى لدخول عامه الثاني في البيت الأبيض. هناك قائمة طويلة من فقدان الصبر الاستراتيجي بعد الهزيمة الشنيعة في أفغانستان، إلى التواطؤ الرخو مع النظام الثيوقراطي المارق في إيران، حتى دعم استمرار عملية مشلولة في العراق الذي يعاني من مرض انفصام الشخصية السياسية.
من البساطة بمكان استعادة التسويف الأمريكي عندما يتعلق الأمر بالعراق، لتتعرى صورة جورج بوش وذيله توني بلير في عملية تسويف سبقت احتلال العراق عام 2003 بيد أنها انتهت بعد أسابيع، عندما تحول التسويف إلى كذب شائن انتهى بتدمير بلد وتحويله إلى كيان فاشل.
وتدرك آلينا رومانوسكي التي درست في جامعة “تل أبيب” العربية والعبرية، وتتحدث اللغة الفرنسية إضافة إلى لغتها الأم الإنجليزية. بوصفها عاشقة التحديات، أن العراق في وضعه الحالي البائس ليس المكان الملائم للتسويف السياسي الأمريكي، لأنها ستنتهي إلى أن تبقى تدور في مدينة “ديمقراطية مظلمة”. الديمقراطية هنا التي أرادها بوش تعبير فارغ الدلالة لأنها لا تمتلك أي بارقة ضوء أو أمل يمكن أن يثق به العراقيون عندما يصدر من الإدارة الأمريكية التي تمثل سياستها آلينا رومانوسكي.
ليس صعبا على السيدة السفيرة معرفة أنها تعيش وسط الظلام السياسي العراقي الفاسد، وإذا كانت لا تشعر بالعتمة المحيطة بها في المنطقة الخضراء، كما تريد وفق تصريحات تزعم أنها مثمرة بعد لقاءات مع الرئيس عبد اللطيف رشيد ورئيس الوزراء المكلف محمد شياع السوداني ورئيس البرلمان محمد الحلبوسي، ورئيس تيار الحكمة عمار الحكيم. يمكن أن تعود الى ما كتبه أسلافها من السفراء الأمريكيين في بغداد لتعرف حق المعرفة أنها تمارس دور الطبيب الأحمق لأحياء جثة سياسية هامدة أنشأها احتلال بلدها للعراق، وتحت مزاعم فضة ببناء دولة على شاكلة الديمقراطية الأمريكية!
أقترح عليها هنا العودة الى الاعتراف الصريح من زميلها روبرت فورد الذي عمل في السفارة الأمريكية في بغداد، بالفشل الأمريكي في العراق، بدأ من دمج الميليشيات في العملية السياسية وانتهاء بالسماح لإيران بممارسة دورها القذر في العراق. إذ يهدد الفشل السياسي والفساد اللذان ساهمت فيهما الولايات المتحدة بتهديد وجود العراق كدولة، حسب تعبير فورد نفسه.
تدرك السفيرة في مزاعم التسويف المثمرة، أنها تزيد الضرر على العراقيين في مثل هذا الكلام لأنها تأمل بأن تحصل على نتائج من لقاءات قادة الطبقة الاوليغارشية المهيمنة على حكم العراق بحماية الميليشيات.
فمزاعم السفيرة الأمريكية بعد لقاء رشيد والسوداني والحلبوسي والحكيم، سخف يفوق سخف الوعد السياسي الذي أطلقه جورج بوش بتحويل العراق إلى واحة ديمقراطية في المنطقة، بيد أنه سرعان ما تحولت تلك الواحة إلى وصفة أمريكية صريحة للظلم والفشل.
كتبت قبل سنوات عن القطط الميتة التي تحكم البلاد. واليوم تريد نفس تلك القطط استمرار المأتم السياسي العراقي عندما لا يعتقد نوري المالكي مثلا، بموته ويدفع بصنيعته محمد شياع السوداني لتشكيل حكومة على شاكلته، بعد أن أهدر مئتي مليار دولار من أموال العراق.
الفشل ليس واقعا بسبب السياسيين الفاسدين، وفق الصحفي روبيرت وورث، وانما أيضا بسبب “الإطار السياسي لهذا البلد”، فالنظام الذي تم وضعه خلال فترة الاحتلال الأمريكي والذي يساهم في تعزيز المنافسة السياسية وتقاسم السلطة والذي تحول الى عملية توافقية يتم من خلالها تقاسم أموال النفط، عبر الوزارات من جانب لصوص الدولة الذين تلتقي بهم السيدة السفيرة وتخرج بتصريحات قل نظيرها في الهراء الدبلوماسي.
فوورث هذا الصحفي الأمريكي البارع، عزيزتي السيدة السفيرة آلينا، لا يخلي مسؤولية الولايات المتّحدة مما آل إليه العراق من فساد عظيم، لإن واشنطن متورطة بشدة في كل هذا، ليس فقط لأن غزوها دمر البلاد، بل لأنها تقدّم الأموال التي يستفيد منها الفاسدون، إذ لا يزال الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك يمد العراق بما لا يقل عن مليارات الدولارات سنويا بالعملة الصعبة من مبيعات النفط.
وقد تم تمرير الكثير من ذلك إلى البنوك التجارية ظاهريا لتغطية الواردات لكنّ العملية اختطفتها منذ فترة طويلة عصابات غسيل الأموال.

اظهر المزيد

مواضيع ذات صلة

شاهد ايضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى