أخبار الرافدين
كرم نعمة

ابن شرعي لعملية سياسية لقيطة

كان تصريح محمد توفيق علاوي، الذي نقله عن رئيس وزراء سابق بأن العراقيين سيدخلون يوما ما على بيوتنا ويسحلوننا في الشوارع، لا يعبر عن هاجس شخصي لعلاوي وقائل الكلام. بل هو جزء من يقين قائم في قلوب سكنة المنطقة الخضراء من الطبقة الاوليغارشية الفاسدة، وفقا لمتوالية “السحل التاريخي في العراق” مع أننا نتحدث اليوم في الألفية الجديدة عن إنسان عاقل غادر منذ قرون مرحلة التوحش!
كان علاوي صادقا في التعبير عن نفسه وليس في استعارة التصريح فحسب، بوصفه ابنا شرعيا لعملية سياسية لقيطة، ساهم فيها منذ الوهلة الأولى لاحتلال العراق كعضو في مجلس النواب لدورتين ووزيراً للاتصالات لدورتين في حكومة نوري المالكي، التي سيحتفل بها التاريخ ويضعها على قمة أكبر تتويج سياسي فاسد.
قبلها كان أحد السياسيين قد تحدث آنذاك عن السحل الذي ينتظر باقر جبر صولاغ وزير الداخلية في حكومة إبراهيم الجعفري بعد اكتشاف المعتقلات السرية ووسائل التعذيب المبتكرة في بشاعتها. فهل ساور صولاغ نفس ما شعر به رئيس الحكومة السابق الذي نقله لنا محمد توفيق علاوي؟
في زمن ليس ببعيد أعتقل غوغاء الأمس وحكام اليوم شاعرا وأرغموه على كتابة قصيدة لسيدهم! وبعدها قطعوا أعضاء جسده ووضعوا بعضها في فمه (…) في واقعة تاريخية، يراد لها أن تغيب عن تاريخ العراق المعاصر.
لكن، لماذا يشعرون بأن مصيرهم السحل؟ لا أحد هنا يدافع عن منطق السحل المعبر عن الوحشية والكراهية وسقوط القانون والفوضى التي يمثلها الغوغاء وفق سيكولوجية الجماهير التي أوجد لها غوستاف لوبون التعريف المثالي قبل أكثر من مائة عام، وكأنه يكتب عن حال العراق بعد 2003.
الحال السياسي البائس في العراق يدفع أكثر المتحفظين على منطق السحل الغوغائي، الى الاستعانة بـ “متوالية السحل” بوصفها فاصلة تاريخية يمكن أن تتكرر كنتيجة لانهيار القيم السياسية والاجتماعية جراء الفساد الحكومي والميليشاوي الطائفي.
على مدار عقود قبل وبعد رحيل علي الوردي، لم يعتد كثيرا بتعريفاته عن طبيعة الشخصية العراقية، وكان كل الرافضين لهذا التحليل يرون أن الوردي مازال يتحدث عن عراقي جاهل ومتخلف تجاوزه الزمن، بينما يصر الوردي على أن طبيعة الشخصية كامنة في الفرد الإنساني، وان السحل الذي شاهده في الشوارع العراقية عندما كان صبيا، يتوقع له أن يتكرر في فواصل التاريخ الحرجة والتغيرات الوجودية.
مع كل ذلك، لم يتراجع إيماننا كعراقيين بالدولة المثالية الوطنية التي تعلو من شأن الانسان وترفع عراقيته فوق أي اعتبار آخر، في وقت ندفع باتجاه المعادلة الصفرية السياسية لا الغوغائية، لتهديم معبد العملية السياسية على رؤوس مشيديها لاستعادة الوطن المخطوف من قبل الأحزاب والميليشيات الفاسدة. لكن تصريح علاوي المنقول عن رئيس الوزراء السابق أرغمنا على العودة إلى تلك المتوالية القاسية، وكأنها يجب أن تحدث في يوم ما قريب على الأغلب! فهل استعان لحظتها بتعريف الوردي لمتوالية السحل العراقي، وهل باتت الحاجة ماسة وعاجلة لأحياء هذا التعريف “بعد أن توقعنا موته” في دوله تتصدر قائمة الفساد الدولية وحكومات تداور فشلها باعتباره إنجازا للمذهب والعقيدة؟
قلت لماذا يشعرون بذلك، ببساطة متناهية لأنهم فعلوا ما يماثل السحل منذ عام 2003 إلى اليوم، ليس فقط بممارسة القتل المجاني على الهوية، بل أن اللصوصية وسرقة المال العام فعل ينم عن أشد أنواع السقوط. ومعادل لصوصي لوحشية السحل.
مع اقتراب حشود المحتجين من أنصار التيار الصدري من مكان سكن نوري المالكي في المنطقة الخضراء، أول شيء تبادر إلى ذهنه السحل الذي ينتظره، فارتدى ملابس رثة وتنكب بندقيته، وصوّر نفسه مع مجموعة من حماته للإيحاء بأنه جاهز لعدم الاستسلام.
إذا كان محمد توفيق علاوي يستحق ثناء عراقيا على نقل ما يدور من أحاديث في أروقة المنطقة الخضراء بين لصوص الدولة، وهم يتمتعون برفاهية المميزات وترفها، فأنه فتح بوابات مشرعة على المنطقة الخضراء باعتراف القتلة واللصوص بما ينتظرهم من بشاعة. لأنهم ببساطة متناهية يدركون مهام وظيفتهم كلوردات للوحشية، لذلك لا يغادر ذهنهم ذلك المصير البشع، الذي لا يمكن أن يفكر به الانسان السوي والعاقل، لكن لسوء حظ العراق ليس هناك بينهم من يتصرف كعاقل.

اظهر المزيد

مواضيع ذات صلة

شاهد ايضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى