أخبار الرافدين
تقارير الرافدينحكومات الفساد في العراق

السياسة والمناخ يتآمران على حياة دجلة والفرات

تقرير سري لنخبة من المختصين العراقيين تكتمت عليه الحكومات في العراق منذ عام 2014 يحذر من أن المياه لن تلبي حاجة البلاد في غضون عامين.

بغداد- الرافدين
تتباين الحقائق بشكل صارخ على طول حوض نهر دجلة والفرات، وهو أحد مستجمعات المياه الأكثر تأثرا في العالم، حيث انخفضت تدفقات الأنهار بنسبة 40 بالمائة في العقود الأربعة الماضية بينما تسعى الدول على امتداد طولها “تركيا وسوريا وإيران والعراق” لتطوير سريع أحادي الجانب لاستخدام مياهها.
ومن المتوقع أن يتفاقم الانخفاض مع ارتفاع درجات الحرارة بسبب تغيّر المناخ. وتقر تركيا والعراق، وهما أكبر مستهلكين، بوجوب أن يتعاونا للحفاظ على النهر الذي يعتمد عليه حوالي 60 مليون شخص للبقاء على قيد الحياة. لكن الإخفاقات السياسية والعناد يتآمران لمنع صفقة تقاسم الأنهار.
وتوضح التقارير والبيانات الداخلية الحسابات التي تقود الخلافات خلف الأبواب المغلقة، وهي تمتد من مخاوف العراق من انخفاض محتمل بنسبة 20 بالمائة في إنتاجه الغذائي إلى الصراع مع تركيا لتحقيق التوازن بين احتياجاتها الخاصة واحتياجات العراق.

الجفاف ينذر بأيامٍ عجاف في العراق

وذكر تقرير مطول لوكالة “أسشيوتيد برس” أن تركيا تستغل حوض النهر ضمن مشروع ضخم لتنمية الزراعة وتوليد الطاقة الكهرومائية. وشيّدت ما لا يقل عن 19 سدا على نهري دجلة والفرات في إطار مشروعها لجنوب شرق الأناضول. ومن المتوقع أن يصل عدد السدود الأخرى إلى 22 سدا.
ويهدف مشروعها إلى تطوير الجنوب الشرقي، الذي كان لفترة طويلة يراكم الركود الاقتصادي ويؤوي حزب العمال الكردستاني الذي تعتبره أنقرة منظمة إرهابية.
وسيكون المشروع تحويليا بالنسبة إلى المزارع التركي يجيت، حيث لم يسمح اعتماده على مياه الآبار سوى بري نصف أرضه. ووصلت أنابيب الري أخيرا إلى مزرعته البالغة مساحتها 4500 فدان والواقعة في محافظة ماردين في حزيران. وستروى بالكامل خلال العام المقبل عبر سد أتاتورك على نهر الفرات.
ويجب على المزارعين الذين يستفيدون من المشروع استخدام تقنيات الري المتقدمة التي تقول السلطات التركية إنها تستخدم مياها أقل بمقدار الثلثين.
ولكن بالنسبة إلى العراق القلق، فإن كل قطرة ماء تحوّل للري تعني تقليل مجرى النهر.
ويبقى العراق أسير الجغرافيا في اتجاه مجرى النهر، حيث يعتمد بالكامل تقريبا في مياهه على النهرين التوأمين والروافد الناشئة خارج حدوده.
وقد أعد نخبة من المختصين العراقيين في وزارة الري العراقية تقريرا سريا في 2014 أوضح “حقيقة واحدة”: في غضون عامين، لن تلبي إمدادات المياه في العراق الطلب. إلا ان الحكومات تسترت على التقرير ولم تسمح بنشره.
وستستمر الفجوة في الاتساع. وحذر التقرير من أن العجز المائي سيؤدي في 2035 إلى انخفاض بنسبة 20 بالمائة في إنتاج الغذاء.

شح المياه يهدد آلاف السكان جنوبي العراق

وتتجلى التوقعات القاتمة في 2022، حيث جفّت البحيرات وفشلت المحاصيل وهاجر آلاف من العراقيين.
وقال أحد مؤلفي التقرير الذي تحدث دون الكشف عن هويته حتى يتمكن من مناقشة الأمر، إن التوقعات كانت “دقيقة بشكل ملحوظ”. وهي تظهر أن المسؤولين العراقيين يعرفون كيف أن المستقبل سيكون قاتما دون الاستثمار الموصى به البالغ 180 مليار دولار والاتفاق مع الجيران.
ويعتبر العراق الملكية مشتركة للمياه مع تركيا وهو ما يتطلب ترتيبا أكثر ديمومة مع أطراف محددة.
وفي مقابلة نادرة، قال مبعوث تركيا المعني بقضايا المياه مع العراق فيصل إيروغلو إن تركيا لا يمكنها قبول الإفراج عن كمية ثابتة من المياه بسبب عدم القدرة على التنبؤ بتدفقات الأنهار في عصر تغيّر المناخ.
وذكر أن بلاده يمكن أن توافق على تحديد نسبة للإفراج بشرط أن تقدم سوريا والعراق بيانات مفصلة عن استهلاكهما للمياه.
وتبقى مسألة سوريا عقبة رئيسية، إذ يتعامل الطرفان مع بعض البيانات مثل أسرار الدولة، مما يغذي عدم الثقة.
وفضّل وزير الري العراقي السابق مهدي الحمداني الاحتفاظ ببيانات استهلاك المياه في بلاده، قائلا “إنها أدوات مفاوضاتنا”.
وتنحّى الحمداني بعد تشكيل حكومة محمد شياع السوداني، مما يبرز مشكلة أخرى لتركيا هي التغيير المتكرر للمتحدثين العراقيين في مفاوضات المياه.
وقال أحد السفراء العراقيين لقد “أخطأ” الطرف العراقي ذات مرة لما جعل الأتراك يدركون أن 70 بالمائة من المياه تُهدر فعليا على الممارسات الزراعية القديمة قبل تصريفها في الخليج، مما دفع أنقرة إلى مضاعفة مطالبها بإصلاح العراق أولا.
وتتقدم تركيا نسبيا ببيانات دجلة ولكنها تكشف القليل عن نهر الفرات، لاسيما السؤال الحيوي عن كمية المياه التي ستحوّل إلى الري في ظل الممارسات الزراعية الجيدة. وتقول إن التحويل سيكون ضئيلا.
كما جادلت بأنه إذا كانت المياه مشتركة، فيجب أن يكون العراق أكثر مسؤولية معها وأن يقدم كفاءة أكبر.
ويشعر العراق بالقلق من إخباره بكيفية استخدام مياهه.
وقال الحمداني “يسألوننا أحيانا لماذا يزرع العراق الأرز (الذي يستهلك الكثير من المياه). أسألهم لماذا تزرعون القطن؟ ويقولون إنها جزء من تاريخهم وحضارتهم. وأقول لهم نعم، لدينا أيضا تاريخنا وحضارتنا. وإذا واصلنا الحديث بهذه الطريقة، فلن نتوصل أبدا إلى اتفاق”.
وقرر الشيخ ثامر السعيدي أن الكيل قد فاض. فالجداول أصبحت جافة في قريته في جنوب العراق. وأصبحت العائلات اليائسة تتخلى عن مزارعها وتهاجر إلى المدينة بعد فشل المحاصيل.
ويسلط ما فعله بعد ذلك الضوء على الغضب المتزايد بين المزارعين في أعقاب موجات الجفاف المدمرة المتتالية ونقاط ضعف الحكومة العراقية التي تجعل إدارة المياه شبه مستحيلة.
وقال السعيدي لسلطات المياه المحلية في محافظة ذي قار إن أمامها “أسبوعا واحدا”. إما أن تمنح المزيد من الماء لمنطقته، قرية الدواية، وإلا فسيأخذ الأمر بين يديه.
ويتجاوز الولاء القبلي في جنوب العراق سلطة الحكومة. وكان على السعيدي، وهو زعيم قبلي، أن يضمن الماء لمحيطه للحفاظ على شرعيته.

تحذيرات من موجات جفاف طويلة في العراق

وبمجرد أن نفد الوقت، سار السعيدي مع العشرات من أتباعه إلى منظم الري على ضفة النهر، مسلحين بأنبوب طويل ومجارف. وحفروا حتى تأمين ممر مائي إلى منطقته.
وقد اعتمد السعيدي على المصطلح العربي “عيناك هما مقياسك” للتأكد من أنه ترك ما يكفي من الماء للمجتمعات الأخرى.
وغضب زعماء القبائل المتنافسة خوفا على إمدادات المياه الخاصة بهم. وسارع المسؤولون الأمنيون إلى وقف التحويل. وخشي الكثيرون سيناريو المعارك بالأسلحة النارية إذا لم يحدث ذلك.
وقال غزوان كاظم رئيس مديرية الموارد المائية في ذي قار “كان عملا تدميريا. لنهر الغراف 154 بوابة لمناطق مختلفة. إذا فعل أي شخص أي شيء من هذا القبيل، فسيصبح توزيع المياه كما هو مصمم غير ممكن”.
لكن السلطات تواجه صعوبة أكبر في السيطرة على المعارك على المياه. ولا تفعل التهديدات برفع الدعاوى القضائية شيئا يذكر لمنع زعماء القبائل من تحويل مسار التدفقات أو حفر الآبار غير القانونية. وينطوي نشر قوات الأمن على خطر التصعيد.
وقال المسؤول بوزارة البيئة في بغداد عيسى الفياض “نحن نخشى اندلاع الصراع في وسط العراق وجنوبه بسبب نقص المياه”.
وقال حاتم حميد حسين مدير عام المركز الوطني لإدارة الموارد المائية إن “بإمكانهم قطع المياه وإطلاقها. نحن بحاجة ماسة إلى اتفاقية مياه فقط لتلبية الحد الأدنى من متطلبات العراق”.
وبمجرد وصول مياه دجلة إلى سد الموصل، يقرر حميد مقدار ما يذهب إلى أي مكان في العراق. ويمكن أن يكون تأثير حساباته هائلا.
ومع النقص الحاد المتوقع في 2022، اضطر حميد إلى إجراء تخفيضات شديدة وقطع حصص المياه إلى النصف للزراعة. وفُرض تقنين المياه بالدوريات العسكرية.
كما أدى ذلك إلى انخفاض دخول مياه دجلة إلى الأهوار في جنوب العراق. لكن ما لم يكن حميد يتوقعه هو أن إيران المجهدة بالمياه قررت بعد ذلك تحويل الروافد التي تغذي الأهوار.
وكانت النتيجة حالة طوارئ بيئية، حيث لم يكن هناك ما يكفي من المياه العذبة التي تدخل الأهوار لغسل الملوحة.
وفي مستنقعات الجبايش الشهيرة في منطقة الأهوار بمحافظة ذي قار، تطفو جثث جاموس الماء على ضفاف النهر مسمومة بالمياه المالحة.
ويتجول الرعاة في الأرض الرطبة الشهيرة، ويبحثون عن قطرات من المياه العذبة لإنقاذ حيواناتهم.
إنها رؤية مؤلمة للمستقبل. وإلى جانب نفوق الماشية، فإن المحاصيل آخذة في الانخفاض للعام الثاني على التوالي. وهذا ما يهدد مصادر الرزق الرئيسية في ريف العراق.
وكان المزارع المسن عبيد حافظ يستغل ما يقرب من 2500 فدان من القمح. وأصبحت أرضه في جنوب العراق قاحلة اليوم.
وكانت صور لأجداد حافظ معلقة في غرفة المعيشة بمنزله. وكانت وجوههم الصارمة تنظر إليه وهو يتكلم. وهو من ورث الأرض منهم جيلا بعد جيل. لكن لن يكون هناك من يأتي بعده، حيث رحل أبناؤه بحثا عن عمل في المدن. وقال “انتهت الحياة هنا”.

اظهر المزيد

مواضيع ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى