أخبار الرافدين
طلعت رميح

هل هي الحرب على لبنان؟

شهدت الأسابيع الأخيرة ارتفاعا في وتيرة القصف والأعمال العدائية المتبادلة بين القوات الصهيونية وميليشيا نصر الله. وترافق مع ذلك أن تصاعدت التهديدات، بتدمير لبنان وإعادته للعصر الحجري من الجانب الصهيوني، وبعدم التزام ميليشيا نصر الله بأية سقوف أو قواعد حال اندلاع الحرب.
ووصلت التقديرات، أن قيل إن قرارا صهيونيا قد اتخذ بشن الحرب باتجاه لبنان. وهناك من أكد أن خطة العمليات العسكرية للحرب باتت بين يديه وأن العمليات ستتركز في المرحلة الأولى على تدمير الفرق السورية الأقرب إلى الحرس الثوري وتوجيه ضربات مكثفة باتجاه مجموعات ميليشيا في الجنوب اللبناني. وقيل أيضا أن الميليشيات الإيرانية تدفقت على لبنان في الفترة الأخيرة وأنها جاهزة في مناطقها ولديها خطط للتعامل إذا وقعت الحرب.
فهل نحن أمام حرب؟
أغلب الرأي أن لا حرب باتجاه لبنان على الأقل في المرحلة الراهنة. وبالدقة قبل الوصول إلى وقف العدوان الجاري على غزة، إذ كيف يمكن لجيش مهزوم ولكيان يعاني من فشل مطلق أن يندفع باتجاه حرب جديدة؟ كما أن قرار الحرب على الطرف الآخر، هو بيد إيران التي لا مصلحة لها في اشتعال الحرب، إذ الوضع الراهن هو الأكثر مواتاة لتحقيق مصالحها. وهناك ما يجري من مفاوضات لتقاسم المصالح والنفوذ في المنطقة بين إيران الغرب.
وقراءة ما يجري ميدانيا تؤكد أن لا حرب في الأفق أيضا.
بات واضحا ومؤكدا أن ميليشيا نصر الله تقوم بكل ما من شأنه منع القوات الصهيونية من شن حرب عليها أو على لبنان.
لقد أعلن نصر الله وكرر دوما أن جبهة لبنان هي جبهة إسناد لغزة، وأن الأعمال العسكرية التي تقوم بها ميليشياته ستتوقف فور توقف العدوان الصهيوني على غزة. وهو ما يعد تأكيدا قاطعا بأن لا نية ولا رغبة وأن لا قرار بالحرب. بل هو ما مثل رسائل واضحة للطرف الآخر، بمحدودية الاشتباكات ومحدودية أهدافها وبالاستعداد لوقفها دون تفاوض.
وإن كان نصر الله، قد تحدث في خطابه الأخير عن امتلاك أسلحة جديدة، وإن كان حزبه قد استبق خطابه ببث فيديوهات للقطات مصورة لمدينة حيفا بمواقعها الصناعية والعسكرية كنوع من التهديد، فذلك ما يؤكد على أن خطته تقوم على منع الحرب لا على السعي للسير باتجاهها. فإظهار القدرة على خوض حرب قاسية، والتشديد على حجم الخسائر والمخاطر التي ستصيب الطرف الآخر، هو ضغط لشل قدرته على اتخاذ قرار الحرب.
والجانب المقابل أكد هو الآخر على أن خطته هي منع الحرب. هو لم يبرز أي احتمال عملي على وجود نية إستراتيجية لشن حرب على لبنان أو للذهاب نحو أعمال عسكرية تستهدف تحطيم قدرات ميليشيا نصر الله.
فالردود العسكرية الصهيونية على أعمال القصف من لبنان، تؤكد عمليا على حرص شديد على عدم توسيع مساحة الاشتباك أو تطويرها لتصبح حربا أو حتى اشتباكات موسعه. الردود العسكرية الصهيونية مليئة بالحرص على الحفاظ على قواعد اشتباك محدودة ومحددة، كما هي تركز على العناصر العسكرية من الميليشيا التي تمارس العمل العسكري الميداني في جبهة الجنوب وحدها. والأهم أن الأهداف السياسية الواردة على لسان القادة الصهاينة تتحدث بإلحاح عن تحقيق الهدوء في الشمال وإعادة المستوطنين المرحلين من مستعمرات شمال فلسطين المحتلة. وهو ما يعني أن الأهداف السياسية تتعارض مع الذهاب إلى حرب.
والخلاصة أن كلا الطرفين يظهران لبعضهما البعض جدية قرارهما عدم الذهاب إلى حرب وأن لا نية ولا رغبة لتوسيع الأعمال القتالية الجارية لتصبح حربا.
وتشير التحركات السياسية الدبلوماسية الجارية في الإقليم -وبشكل خاص زيارات المبعوث الأمريكي -على توفر إرادة أمريكية بمنع اندلاع حرب، بل تؤكد على رفض أمريكي قاطع لاحتمال اندلاعها.
لكن كل ذلك لا يمنع من القول باحتمال تحول الأعمال القتالية “المنضبطة للغاية والمحددة بدقة” الى عمليات أوسع قد تفضي إلى اندلاع حرب. وإن كان لا حرب دون رغبة أي من الطرفين في إشعالها.
لكن احتمالات الحرب مرتبطة بنتائج النقاشات الجارية في الكيان الصهيوني بشأن التصورات المستقبلية. فالكيان الصهيوني في وضعية البحث عن القرار الاستراتيجي الصحيح للتعامل مع مرحلة ما بعد الهزيمة الكبرى وانهيار قدرة الردع الصهيونية وكيفية استعادتها ما بعد الهزيمة التي لحقت به منذ الهجوم الإستراتيجي الفلسطيني في السابع من تشرين الأول الماضي.
وفي تلك النقاشات يقول بعض الصهاينة بضرورة التصدي لإزالة أية تهديدات حتى لا تحدث مفاجأة جديدة. وبأن تأخير مواجهة التهديدات واستصغارها يمثل خطرا إستراتيجيا. لكن اتخاذ مثل هذا القرار يتطلب الانتهاء أولا من تقييم ما جرى وهو ما لم يبدأ بعد.
وواقع الحال أن الأوضاع الاقليمية والدولية لا تشيء حتى الآن برغبة أو حتى استعداد للقبول بفكرة اندلاع حرب أخرى في المنطقة، كما أن التحديات الدولية التي نتجت عن حرب روسيا على أوكرانيا من جهة وتهديدات الصين بغزو تايوان، يشكلان مانعا لاحتمالات اندلاع حرب جديدة أو متوسعه في الشرق الأوسط.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى