من العراق إلى فنزويلا: شاخت الإمبراطورية الأمريكية
تُعيد الولايات المتحدة تنفيذ الخطة نفسها دون تغيير، وتواجه المشكلات ذاتها، وهي تخسر اقتصاديًا وعسكريًا، وتمنح خصومها الكبار الفرصة تلو الأخرى للتطور والتقدم، بل حتى التفوق عليها. كما تنهار شرعيتها الإمبراطورية، حتى بدت كمن يسير إلى مصيره المحتوم.
الخطة نفسها الجارية الآن ضد فنزويلا لا تجديد فيها ـ إلا في الهوامش ـ فهي ذاتها التي جرى تنفيذها ضد العراق، وأدت إلى كل تلك الكوارث.
لعنة البترول هي ذاتها، إذ تسعى الشركات الأمريكية للسيطرة على ثروة الشعب الفنزويلي من البترول، وهي الأضخم بين احتياطيات الدول على مستوى العالم. والأساليب نفسها في السعي لتبرير إطلاق الحرب، إذ تُجرى أعمال قصف وقتل لأبرياء لصناعة أزمة تتغطى بها لإطلاق الحرب. وهي تكرر ما طالبت به قيادة العراق، إذ طالبت رئيس فنزويلا بتسليم السلطة للمعارضة ـ المصنوعة أمريكيًا ـ في مقابل توفير ملاذ آمن ومعيشة مرفهة. وهي الخطة ذاتها، إذ يجري التهديد بالحرب الشاملة تحت عنوان عدم شرعية النظام الحاكم وتحقيق الديمقراطية.. إلخ.
وهكذا عدنا إلى نسخة أخرى من حكم جورج بوش الابن.
وإن كان هناك جديد، فهو أن فنزويلا متهمة بالتستر على تجارة المخدرات التي تصل إلى الداخل الأمريكي، ومتهمة بإفراغ مصحاتها العقلية وسجونها، وإرسال المجرمين والمختلين عقليًا إلى الولايات المتحدة.
وكأن المشكلة تتعلق بمن يدخل من الخارج، لا في عدم كفاءة من يحمي الحدود.
شاخت الإمبراطورية الأمريكية ولم تعد قادرة على تجديد خططها، وتشوهت صورتها في الخارج، والأهم هذه المرة أن إدارتها السياسية تواجه مشكلات خطرة على صعيد صناعة القرار.
من يتابع ما يجري في أروقة مؤسسات الدولة بشأن تلك المقامرة الجديدة، يجد أن اتخاذ القرار بغزو فنزويلا أعاد طرح القضايا نفسها داخل الولايات المتحدة، لكن في صورة أشد مما حدث خلال التحضير للعدوان والحرب على العراق، وبات يحمل مؤشرات قوية على عمق مأزق النظام السياسي الأمريكي.
في البداية كان ظاهرًا أن ترامب قد أخذ قراره بشن العدوان على فنزويلا، إذ جرى نقل القوات ومحاصرة الساحل والأجواء الفنزويلية، كما بدأت أعمال قصف لقوارب الصيد الفنزويلية وقتل الصيادين الأبرياء.
لكن ترامب استدار فجأة وطرح فكرة الاتصال بالرئيس الفنزويلي!
تراجع ترامب بسبب المعارضة التي انفجرت في وجهه. لقد خرج من يقول لترامب إن ليس من صلاحياته شن الحرب، وأن ذلك من اختصاص الكونغرس، وهو قول جاء متزامنًا مع اضطراب أوضاع الحزب الجمهوري. وخرج ستة من كبار المشرعين الديمقراطيين ليطالبوا أفراد الجيش الأمريكي بعدم تنفيذ أي أوامر غير قانونية يصدرها الرئيس، وأن أعمال القتل التي جرت ضد الصيادين الفنزويليين هي أعمال إعدام خارج القانون، وهو ما أصاب ترامب بالفزع، ودفعه لوصف بيان هؤلاء بالانقلاب والخيانة وهددهم بالإعدام. وخرج بعدها من اتهم وزير الحرب الأمريكي بشبهة ارتكاب جرائم حرب بإصداره أوامر بقتل ناجين من استهداف قارب كان قد قصفته القوات الأمريكية. وخرج من يقول لترامب: كيف لبلد مدين بنحو 38 تريليون دولار ويعاني من كم هائل من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية أن يسعى لحرب جديدة تكلف المليارات؟ وهناك من قال: لقد منح جورج بوش الفرصة للصين للنمو والازدهار، ولروسيا باكتساب وقت تتقوى فيه بغزو أفغانستان والعراق، فإن ترامب ذاهب إلى حرب تمنح الصين فرصة للتفوق على الولايات المتحدة، وربما تمنحها الفرصة لغزو تايوان أيضًا، وإنه يشغل أمريكا بحرب تمنح روسيا الفرصة الكاملة لإنهاء مهمة التدمير الكامل لأوكرانيا. وإن ترامب يعيد مأساة القوات الأمريكية في فيتنام، وهذه المرة في أمريكا الجنوبية.
تراجع ترامب ـ ربما مؤقتًا ـ وبادر بالاتصال بالرئيس الفنزويلي هاتفيًا، وبدأت رحلة التفاوض، وهو إذ فعل ذلك، قد يكون قد استهدف الالتفاف على المعارضة الداخلية، والعودة مجددًا لإطلاق الحرب، ربما على طريقة خليج تونكين، حيث جرى استفزاز فيتنام الشمالية بحريًا واستثمار ردها لإطلاق الحرب التي انتهت بهزيمة الجيش الأمريكي.
وقد وصلت المفارقات في السياسة الأمريكية حدًا غير مسبوق.
لقد تابع العالم الأيام الماضية مطالبة أمريكا لبنان بإعادة قنبلة لم تنفجر، كانت قد استخدمتها القوات الصهيونية خلال عملية اغتيال رئيس أركان حزب الله ولم تنفجر.
كما تابع محاولة ترامب وفريقه التفاوضي إرغام أوكرانيا على التنازل عن أراضيها واستقلالها، في مقابل الحصول على مشروعات مشتركة بين الشركات الأمريكية وروسيا. ومن قبل كان العالم قد تابع بدهشة مطالبة الرئيس ترامب لكندا بفقدان استقلالها والانضمام إلى الولايات المتحدة كولاية أمريكية جديدة!
ولعل ما يجري الآن، من مديح الوزراء الأمريكيين لترامب ومديحه هو لنفسه وحديثه الدائم عن إنجازاته الوهمية، أحد أبرز الدلالات على أن أمريكا شاخت وانحدرت.
