أخبار الرافدين
طلعت رميح

هل انطلقت شرارة الثورة الإيرانية.. الثانية؟

انطلقت المظاهرات في إيران مجددًا، وتوسعت بسرعة، ودخل العنف على مجريات فعالياتها، فسقط مواطنون قتلى، كما سقط قتلى من أجهزة الأمن. ووقعت هجمات على مراكز الشرطة ومكاتب ميليشيات الباسيج، وجرت عمليات حرق لمقار المؤسسات التنفيذية. وإذ انطلقت المظاهرات من العاصمة طهران، فقد توسعت رقعتها لتشمل كثيرًا من المحافظات الإيرانية في مختلف أنحاء الجغرافيا الإيرانية.
وهكذا بدأت حالة صدام جديدة بين الشعب الإيراني والنظام الحاكم في إيران.
تُطرح التساؤلات الآن حول مصير الاحتجاجات، وما إذا كانت ستنتهي كما كان حال الاحتجاجات التي شهدتها إيران على مدار السنوات الخمسة عشر الماضية، أم أن ما يجري الآن مختلف، وأننا أمام شرارة انطلاق ثورة تغيير، لا مجرد احتجاجات عفوية ستنتهي كما حدث لسابقاتها.
كانت آخر الاحتجاجات قد جرت بعد مقتل الشابة الإيرانية مهسا أميني في أحد أقسام الشرطة، إذ سرعان ما انتشرت المظاهرات وأعمال العنف لتشمل معظم أنحاء إيران، منددة بتصرف وجبروت شرطة فرض ارتداء الحجاب بالعنف على النساء. تلك الاحتجاجات انقضى أمرها إلى الخمود، لكنها كشفت عن مدى الاحتقان الشديد في المجتمع الإيراني بشأن الحقوق وتصرفات سلطات إنفاذ القانون.
وقبلها شهدت إيران ما سُمّي بتظاهرات الأقليات، إثر اندلاع احتجاجات الأحواز، التي سرعان ما انتقلت إلى مناطق الأكراد والبلوش والأذر، في عام 2021.
وقبلها شهدت إيران ـ في عام 2020 ـ ما وُصف باحتجاجات البنزين، إذ انطلقت مظاهرات بعد رفع أسعار البنزين، وتحولت إلى إضرابات كبرى وأعمال عنف، أعادت التذكير بما جرى في عام 2007، حين أحرق إيرانيون غاضبون محطات وقود خلال حكم محمود أحمدي نجاد.
وقبلها، وفي عام 2017، كانت إيران على موعد مع مظاهرات اجتاحت مدنها احتجاجًا على تردي الأوضاع المعيشية بعد انخفاض سعر العملة الإيرانية وارتفاع التضخم وغلاء المعيشة. وقد انقضى أمرها هي الأخرى إلى الخمود، لكنها كشفت شدة الاحتقان، والأهم أنها شهدت تحولًا لافتًا ضد السياسات الخارجية للنظام، إذ رفع المحتجون شعارات “جديدة” تندد بإنفاق أموال الشعب الإيراني على الأذرع الإيرانية في الخارج، كما رُفعت شعارات حملت دعوات صريحة للإطاحة بالمرشد الإيراني.
كانت الحركة الأكبر قد جرت في عام 2009، ووُصفت بالانتفاضة الخضراء، وقد شهدت رفع شعار تغيير نظام ولاية الفقيه.
وهكذا تنوعت مجالات رفض النظام رغم اختلاف أسباب اندلاع المظاهرات، فإذ اندلعت الانتفاضة الخضراء للاحتجاج على تزوير الانتخابات ـ ووُصفت باحتجاجات إصلاحية ـ وجاءت مظاهرات مهسا أميني ذات طابع حقوقي، جاءت المظاهرات الحالية ـ وما سبقها، وأهمها مظاهرات 2017 ـ ذات طابع اقتصادي، إذ جرت احتجاجًا على ضعف العملة وزيادة التضخم وارتفاع أسعار البنزين.
فما الجديد الذي أتت به مظاهرات الأيام الماضية؟ وهل تتصاعد لتشمل كل تلك التوجهات والشعارات، فتتحول إلى ثورة؟
ثلاثة أمور جديدة في تلك التحركات الشعبية ترفع من احتمالات تحولها إلى ثورة تغيير، أو أن تمثل نقلة قوية في الطريق إلى تلك الثورة.
الأمر الأول: أن البازار والسوق الكبير، والمحلات التجارية عمومًا، كان لها الدور الأعلى في إشعال التحركات الآن. وتلك أخطر العوامل في التأثير، إذ كان انضمام البازار والتجار لثورة الخميني هو العنوان الأهم والحاسم في نجاح تلك الثورة. لقد مثل دخول البازار على خط المظاهرات ضد الشاه الأمر الحاسم في تحول الاحتجاجات إلى ثورة، بما أدى لانتصار الخميني وسقوط الشاه. والبازار والتجار لم يدخلوا بهذا الشكل الحادث الآن في أية احتجاجات جرت ضد النظام الحاكم من قبل.
والثاني: أن اندلاع الاحتجاجات الحالية هو إعلان بانفصال الشعب الإيراني عن الحكم، إذ هي تجري فيما النظام في وضع الاستعداد لتلقي هجوم أمريكي صهيوني جديد.
والثالث: أن النظام الآن في وضع إنهاك وفي حالة تراجع لقدراته الاستراتيجية. لقد تعرضت قدرة النظام للاهتزاز بفعل الضربات والاغتيالات التي تعرض لها خلال الضربات الصهيونية والأمريكية في حرب الاثني عشر يومًا، وبسبب ما تعرضت له أذرع إيران من ضربات، وبعدما سقط النظام السوري وانتهى الوجود الإيراني في هذا البلد.
وفي المحصلة، فالاحتجاجات الحالية أشعلتها قوى اجتماعية شديدة التأثير، وهي تجري والنظام في وضع أضعف، وفي حالة دفاع على الصعيد الخارجي، وفي وضع انكشاف إقليمي، والأخطر أن المحتجين لم يتأثروا بفكرة وحالة تعرض إيران لعدوان خارجي، وهو ما يعني انفصال الجمهور عن النظام على الصعيد الوطني.
فهل تسهم تلك العوامل في تحول الاحتجاجات الحالية إلى ثورة؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى