أخبار الرافدين
مثنى عبد الله

دور يونامي في العراق في ضوء تقرير هيئة علماء المسلمين

تواصل هيئة علماء المسلمين في العراق، رصدها للواقع العراقي من النواحي السياسية والأمنية والمجتمعية، من خلال تقارير دورية توثّق كل المستجدات والوقائع والتطورات، التي تمس حياة الناس في هذا البلد.
وهي تنطلق في مواقفها هذه من واجباتها الوطنية والشرعية. ففي التاسع والعشرين من شهر ديسمبر/ كانون الأول 2025 المنصرم، أصدرت تقريرها السياسي الدوري التاسع عشر، عن الحالة السياسية في العراق، وتناولت فيه الدور الأممي ممثلا في بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي)، التي أُنشئت بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1500 في أغسطس/آب 2003 عقب الاحتلال الأمريكي، والتي كان الهدف من أنشائها هو مراقبة سير العملية السياسية، وتقديم النصح والمشورة للقائمين عليها، وإعادة بناء مؤسسات الدولة التي دمرها المُحتل.

لقد سبق أن أصدر مجلس الأمن قرارا أنهى بموجبه عمل بعثة الأمم المتحدة (يونامي)، وحدد اليوم الأخير من العام المنصرم 2025 موعدا نهائيا لعملها في العراق. وجاء هذا القرار تحقيقا لطلب تقدمت به حكومة بغداد رسميا في مايو/أيار 2024.

وتعزو هيئة علماء المسلمين هذا الطلب كإعلان غير واقعي ومُظلل من السلطات العراقية، أمام المجتمع الدولي، بأنها أصبحت سلطة شرعية تملك السيادة على قرارها، وأن جميع الأهداف التي توخاها مجلس الأمن من وراء إنشاء البعثة قد تحققت في العراق. كما تلاقى هذا الطلب مع تغيير أولويات الأمم المتحدة نفسها، بعد فشل بعثتها في الحصول على مقبولية من جميع الأطراف العراقية، والشك في حياديتها السياسية، ومحاباتها لطرف على حساب طرف آخر، ما أدى إلى إحجامها عن قول الحقيقة، في ما يتعلق بالانتهاكات الصارخة في ملف حقوق الإنسان، وفي الإشارة إلى دور الميليشيات المشاركة في السلطة، أو التي هي خارج السلطة لكنها في خيمة السلطة.

لقد لخّص تقرير هيئة علماء المسلمين في العراق، مسيرة بعثة الأمم المتحدة على أنها تجربة مُرة، كشفت عن قصور واضح للدور الأممي في معالجة مشكلات الملف العراقي، بما يحتوي عليه من أزمات وعدم استقرار وفساد إداري ومالي وسياسي. ويؤكد أنه حتى الإحاطات التي قدمتها البعثة إلى مجلس الأمن لإعلامه بتطورات الوضع العراقي، قد شابها القصور في تقديم الحلول الواقعية للنهوض بالبلاد، وغلبت عليها نبرة التمنيات والعبارات السياسية الكسولة في معظم الأحيان، على الرغم من الخروج عن هذه الصيغة في بعض المواضع، من خلال الاعتراف بفشل السلطات الحاكمة في بغداد والعملية السياسية القائمة. وإذا كانت الهيئة قد تناولت بإيجاز ربما، دور بعثة الأمم المتحدة في هذا التقرير، فإنها قد فصّلت في الحديث عن دور آخر ممثل خاص للأمين العام للأمم المتحدة، حتى أمسى هو الغالب تقريبا على كل فقرات تقريرها.

إن الموآخذات التي ثبتتها الهيئة على عمل ممثل الأمين العام، يمكن إيجازها وفق العناوين التالية:

أولا تجنب النقد الجوهري للنظام السياسي القائم وتركيزه على الإجراءات الشكلية، التي هي ليست أصل الأزمة التي يعيشها العراق.

ثانيا تجاهله للممارسات الإرهابية التي تقوم بها الميليشيات، من تهجير قسري وتغيير ديموغرافي ومصادرة للممتلكات.

ثالثا اقتصاره على الإشارة في إحاطاته أمام مجلس الأمن، إلى معاناة المُهجّرين لطرف مجتمعي واحد، وهم الأيزيديون وتجاهل معاناة المُهجّرين الآخرين، وعزوفه عن تحميل السلطات مسؤولية إعادة الجميع إلى ديارهم.

رابعا تجاهله في إحاطاته أمام مجلس الأمن الإشارة إلى ملف المقابر الجماعية، والكشف عن مصير عشرات الآلاف من العراقيين الذين غيبتهم الميليشيات.

خامسا إغفال الإشارة إلى السبب الحقيقي الذي يقف وراء انهيار البُنى التحتية في كل القطاعات في البلاد.

سادسا الصمت عن عزل المدن والحصار الداخلي.

سابعا تغليب ملفات إنسانية خارجية متعلقة بالقضية العراقية، على حساب ملفات إنسانية عراقية داخلية.

وفي ضوء ما تقدم فإنه لا بد من الإشارة إلى حقيقتين أساسيتين متعلقتين بالمؤسسات الدولية بشكل عام، وبالدور الذي يمارسه من يشغل منصب الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة بشكل خاص. فالمؤسسات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة، هي كيانات سياسية أنشأتها الدول التي انتصرت في الحرب العالمية، وبذلك فإنها أحد العناصر التي يستثمرها صانع القرار الدولي لتحقيق مصالحه، وهذا ما قزّم دورها وقلّص مسؤولياتها وأعاق عملها، لذلك لا يمكن الركون إليها في إحقاق الحق بالنسبة للشعوب، حتى إن حسُنت نيات من يشغل المنصب الأول فيها. ولعل خير مثال على ذلك الحملة الإعلامية التي انطلقت ضد الأمين العام الحالي، حين أعلن وقوفه ضد المأساة الإنسانية في غزة، فاعتُبر موقفه هذا تجاوزا للخطوط الحمر. وكذلك ما جرى ضد رئيس وأعضاء محكمة جرائم الحرب مؤخرا، من قبل الولايات المتحدة، أما الحقيقة الثانية فهي متعلقة بمن يشغل منصب الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة. فهو في بعض الأحيان يبقى حريصا على أن لا يُسمي الأشياء التي تحصل في ساحة عمله بأسمائها، كي لا يصطدم بالسلطات المحلية فتطلب استبداله، عندها لن تبقى له فرصة مستقبلية للعمل بالصفة نفسها أو غيرها في مكان آخر من العالم، على اعتبار أن بقية الدول ستعتذر عن الموافقة عليه.

إن حالات الدول التي فيها نزاعات غالبا ما يجد الممثل الخاص للأمين العام فيها نفسه، في قلب المصالح السياسية المتضاربة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. وهنا تبرز صفات النزاهة والشفافية والشجاعة في اتخاذ الموقف الصحيح، أو التردد في فعل ذلك، كما أنه أحيانا يكون أمام خيارين في عمله، أما التمسك بقيم ميثاق الأمم المتحدة، والعمل بما جاء فيها، أو الذهاب إلى مراعاة مصالح الأطراف الممسكة بالسلطة في البلد، وبالتالي تصبح صفة المبدئية في العمل هي البوصلة، فمن كان مبدئيا، فإنه لن يحيد عن مبادئ الميثاق الدولي، ومن كان غير ذلك فإنه ذاهب لا محالة إلى تغليب مصالح الأطراف الممسكة بالسلطة على مبادئ ميثاق الأمم المتحدة. كما أن تحليل الوضع على أرض الواقع، والتكيف مع توجيهات السياسة العامة الصادرة عن الجهة، التي يمثلها الممثل الخاص للأمين العام، تُعد مصادر مهمة للنجاح في العمل.

يقينا أن التقارير الصادرة عن هيئة علماء المسلمين في العراق، كانت وما زالت مرآة حية يمكن النظر من خلالها إلى ما يجري على الأرض بصورة حيادية. فهي ليست جهة سياسية تسوّد الواقع من أجل مزاحمة الآخرين على الحكم. لذلك رصدها لما يجري دائما ما يكون بهدوء ومنهجية ومهارة.

ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
|| مصدر المقال: جريدة القدس العربي

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى