القضية الأساسية في اليمن لم تُطرح بعد!
يشهد اليمن عملية تحوّل كبرى، تغيّر اتجاهات ومسار حركة الأحداث في هذا البلد، وتعيد الأمل في عودة اليمن. لقد جرى إنهاء ظاهرة إعادة تفكيك ما تبقّى من اليمن، تحت مسمى إعلان دولة الجنوب العربي، من جهة، وتفتيت وتفكيك جنوب اليمن من بعد إلى دويلات.
وقد سيطر على عناوين هذا التحوّل إنهاء نفوذ دولة الإمارات، والظواهر التفكيكية والمليشياوية التي ارتبطت بدورها ونشاطها في جنوب اليمن، وتثبيت دور المملكة العربية السعودية كحليف للسلطة الشرعية، ومنقذ لليمن في اللحظات الخطِرة؛ إذ كان اليمن قاب قوسين أو أدنى من التفكك الرسمي والكامل – بلا عودة – ذلك أن الاعتراف بانفصال الجنوب – كما يطمح الكيان الصهيوني – بمثابة اعتراف بسيطرة الحوثيين وتثبيت للانقسام، وتغيير لتموضع اليمن عربيًا.
ويمكن القول بأن المملكة العربية السعودية قد أحدثت تحوّلًا كبيرًا سيكون له صداه، بشأن مواجهة المليشيات التفكيكية الناشطة في المناطق الملتهبة بالصراعات والمدعومة غربيًا، لإحداث التفكيك في دول عربية أخرى أيضًا.
وقد أظهرت حركة الأحداث مدى وإمكانية حشد اليمنيين لمواجهة التفكيك، وأظهرت وجود نخب وقيادات يمنية متمسكة بوحدة اليمن، وألقت الضوء على أن ما جرى كان تغييبا قسريًا لها، تحت ضغط كبير تعرّض له القادة اليمنيون، ولذا عاد البعض للتذكير بمواقف الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي، الذي رفض مرارًا وتكرارًا فصل الجنوب، ووقف في مواجهة كل عمليات التخريب للعلاقات المجتمعية اليمنية، وقاوم وواجه عمليات مطاردة القيادات اليمنية التي رفضت وقاومت مخططات التفكيك.
وأظهرت الأحداث الجارية الآن قدرة القيادة السعودية واليمنية المتحالفة معها على إدارة الصراع بكفاءة، وفق خطط تجمع بين الحسم واستحضار القوة العسكرية مع استخدامها في أضيق نطاق، وتقوم على الحشد المجتمعي واستخدام الآليات والتقاليد المستقرة في اليمن، وتجنّب إراقة الدماء.
لكن، ورغم أهمية ما جرى ويجري – على ضخامته بالنظر إلى التحديات الخطيرة التي واجهت إعادة ضبط البوصلة – فإن القضية المحورية في الأزمة اليمنية، التي تتعلق بالحوثيين، لا تزال في انتظار التصدي لها؛ إذ ما جرى التصدي له الآن هو أحد نتائج ما فعله الحوثيون باليمن.
القضية المحورية في اليمن تبدأ وتنتهي بمواجهة ما قام به الحوثيون من تفكيك للمجتمع اليمني على أسس طائفية، وتقسيم الجغرافيا على أسس جهوية، وتغيير الولاءات القبلية والنخبوية والتلاعب بها، وإسقاط الدولة وتفكيكها وتدمير الجيش اليمني – وهي نفس النتائج التي سعى لها الاحتلال الأمريكي للعراق – ومنح إيران موطئ قدم في الخليج العربي وعلى البحر الأحمر. وبمعنى أدق، كان ظهور وسيطرة الحوثيين خطوة كبرى باتجاه مخطط إحاطة المملكة العربية السعودية بحزام ناري، يُكمل ما جرى في العراق، وعلى الضفة الأخرى من البحر الأحمر.
وهنا ينبغي التشديد على أن هذا الذي قام به الحوثيون لم يكن ناتجًا عن قوتهم ولا عن قوة إيران، بل كان ناتجًا عن أمرين:
الأول، تفكك إرادة اليمنيين وعدم قدرتهم على الوصول إلى إجماع في تلك الظاهرة، وعدم إدراك مخاطرها. وقد أثبتت تجربة الجنوب الآن خطر الدور الخارجي في تفكيك المجتمعات. ينطبق هذا على إيران كما ينطبق على أدوار عربية بحثت عن مصالحها الذاتية على حساب اليمن.
الثاني، خطر عدم مواجهة الدور الذي لعبته الولايات المتحدة وبريطانيا والكيان الصهيوني، وخطر الغفلة التي أصابت من أداروا تلك الملفات خلال التعامل مع هذا الدور.
لقد تحركت الأطراف الثلاثة ضمن إطار خطة استراتيجية واحدة – مع تبادل الأدوار – لمنع التحالف العربي وقوات الشرعية من إلحاق الهزيمة بالحوثيين، وتمكينهم من تحقيق أهدافهم المباشرة، ثم توظيفهم لإنفاذ الخطة الاستراتيجية للأطراف الغربية الثلاثة.
وقد أشرت في مقال سابق إلى منع قوات الشرعية من تحرير صنعاء – بأعمال قصف لطلائعها المتقدمة – ومنع قوات المقاومة الوطنية المتقدمة على الساحل من تحرير الحديدة عبر قرارات المندوب السامي البريطاني أو ممثل الأمم المتحدة.
ولذا يجب وضعُ في الاعتبار أن ما أُنجز في الأيام الأخيرة يتطلب الحفاظ عليه وتعزيزه، بالتوجه لحسم القضية الأساس المتمثلة في سيطرة الحوثيين على قطاع كبير من الجغرافيا اليمنية، وفي توظيف الولايات المتحدة وبريطانيا والكيان الصهيوني لطموحهم لتحقيق هدف تفكيك وإضعاف اليمن، وتدمير قدرته على حماية باب المندب، لحساب المصلحة الصهيونية والغربية عمومًا.
ذلك أن الاقتصار على التغيير الحادث في مناطق جنوب اليمن، وعدم تحرير المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، سيظل يحافظ على البيئة السياسية والمجتمعية التي تعيد إنتاج التقسيم والتفكيك، ولا ينهي المخطط الإيراني لوضع قدم على البحر الأحمر، وإحاطة المملكة العربية بسور من النار الإيرانية، وسيبقى الباب مفتوحًا لمواصلة الغرب والصهاينة لمخططاتهم.
