أخبار الرافدين
طلعت رميح

معركة حلب نقطة انطلاق لاستكمال تحرير سوريا

بدت العمليات التي قام بها الجيش السوري الجديد، ضد ميليشيات قسد في حلب، كعمليات جراحية سريعة وذكية وحاسمة لتحقيق الأهداف، مع حرص بالغ على عدم سقوط الضحايا.وهي مثلت اختبارًا للقيادة السياسية السورية، التي أبدت صبرًا ومنحت المهل وأتاحت كل الفرص للوساطات لإنهاء سيطرة ميليشيات قسد ووقف جرائمها، وهو ما حيّد قوى خارجية داعمة لقسد. وقد طرح هذا النموذج مقارنات مع ما كان يقوم به جيش الأسد، وجيش الحكومة القائمة في العراق والميليشيات الإيرانية، خلال أعمال الهجوم على المدن، إذ شاهد الناس حالة توحش إجرامي وأعمال إبادة وقتل وترويع وطرد للسكان وتهجيرهم على أسس طائفية.
لقد خاض الجيش السوري الجديد هذه الحرب المصغرة في حلب، بعد أقل من عام على بداية تشكيله وهيكلته وتسليحه، ولذا مثلت الاختبار الحقيقي الأول لهذا الجيش. وقد جاء الأداء مختلفًا عما جرى خلال الأحداث التي أشعلتها بقايا ميليشيات الأسد في الساحل، وعن تلك التي جرت خلال تمرد ميليشيات الهاجري في الجنوب.
كان الأداء العسكري في حلب شديد التنظيم، ومراعيًا لكل عوامل وأساليب الحفاظ على حياة السكان. وإذ جرى فتح ممرات آمنة لخروج السكان قبل إطلاق العمليات، فقد جرى نقلهم إلى مناطق سكنية لائقة، وإعادتهم بأمان عقب الانتهاء من إزالة مفخخات قسد وشراكها الخداعية. وجرى التعامل مع العناصر التي سلمت نفسها من قسد وفق القوانين، وانتهى الأمر بالإفراج عنهم في وقت لاحق.
وفي ذلك لم تشهد حلب براميل متفجرة لتدمير المساكن فوق رؤوس ساكنيها، ولا أعمال تهجير وتغيير ديموغرافي للسكان، ولا أعمال انتهاك وتعذيب وقتل ممنهج بحق السكان، ولا أعمال سلب ونهب، كما كان الحال على يد ميليشيات الأسد.
كما أظهرت تلك المعركة الفارق الضخم بين الجيش السوري الجديد، وما كان يقوم به جيش حكومة الاحتلال وميليشيات إيران في العراق، خلال العمليات العسكرية في المدن العراقية، إذ جرى تدمير المساكن والجوامع، وقتل أكبر نسبة من السكان، وتهجير ما تبقى على أسس طائفية، ومنع عودتهم إلى مدنهم وقراهم، وشن حرب تجويع ضد السكان في الخيام التي نُقلوا إليها قسرًا.
لقد أظهرت العمليات في حلب مدى الاحترافية العسكرية، ومدى الالتزام بالقانون وبمبادئ خوض الحروب والصراعات، وكشفت عن مدى نضج القرار السياسي في التعامل مع ظاهرة الميليشيات، ولذا لم نشهد رفضًا واحتجاجًا من المنظمات والهيئات الدولية أو من الحكومات المعروفة بمساندتها ورعايتها وتمويلها وتسليحها لقسد. لم تترك القيادة والجيش ثغرات تسمح لتلك الجهات بالتحرك ضد العملية.
والأهم أن جرى تثبيت قواعد واضحة لدى الجيش السوري لإدارة الصراع الداخلي، وأن جرى تشكيل قناعات لدى الرأي العام السوري والدولي حول جدارة الحكم الجديد والجيش السوري بقيادة تلك المرحلة، بما يمنح الدعم الكامل لخطة الحكم والجيش في إنجاز وحدة سوريا وإنهاء ظاهرة الميليشيات التي تسيطر على قطاعات من الأراضي السورية بالتعاون مع قوى معادية لسوريا وطنًا وشعبًا.
وهو ما ظهر جليًا الآن، حيث لم نشهد انزعاجًا من الرأي العام السوري ولا رفضًا من الدول الخارجية لما أعلنه الجيش السوري من التحرك لإنهاء الأعمال الإجرامية وحالة السيطرة التي تمارسها قسد في ريف حلب الشرقي.
كما يُتوقع أن تنهض القوى الاجتماعية التي تقهرها قسد في شرق الفرات، وأن تتحرر من ضغوط السيطرة بالإرهاب التي تمارسها تلك الميليشيات، وأن تعلن موقفًا ضد قسد، وأن تنشط مطالبة بالعودة إلى حضن المجتمع والدولة السورية، بما يساهم في إفشال مخططات التفكيك.
وبمعنى آخر، فأهم النتائج لاعتماد تلك المنهجية أن يتنامى الشعور والتقدير داخل مكونات المجتمع السوري بكفاءة الدولة السورية الجديدة والجيش السوري وجدارتهما بتحقيق الأمان والاستقرار داخل المجتمع والدولة، بما يضعف أعمال الحشد والتعبئة الجارية على أسس عرقية وطائفية، ويوجه ضربة لأعمال ومخططات التشويه وأعمال التحريض والحض على اللجوء للسلاح خارج إطار الدولة، وإلى عزل المجموعات الطائفية والعرقية مجتمعيًا وإنهاء ظواهر التفلت، والعودة إلى فكرة الدولة القادرة على إنهاء الثارات التي خلفتها جرائم جيش الأسد والميليشيات الإيرانية في سوريا.
لكن، ورغم أهمية وجوهرية والمؤشرات المبشرة لما تحقق، فلا يجب الاطمئنان إلى مواقف الدول المساندة للميليشيات ولأعمال التفكيك، فهي تظل متربصة بكل نجاح تحققه الدولة والجيش السوري، ولن تتخلى عن مخططاتها، وهو ما يتطلب استمرار الحشد والتعبئة للشعب السوري، دون ارتكان إلى النجاحات التي تتحقق هنا أو هناك.
المعركة في سوريا طويلة، وما جرى حتى الآن – خلال العام – هو خطوات أولية في الاتجاه الصحيح، لكن اليقظة تظل مطلوبة، إذ إن الأعداء يغيرون خططهم لتحقيق ذات الأهداف مع كل هزيمة تلحق بهم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى