انقلبت المعادلة.. مصير إيران يتحدد في العراق
تحصد إيران ما زرعت.
كانت قد تحالفت مع المحتل الأمريكي (الصهيوني) وساندته، وشاركت في بناء سلطة عميلة له، وفتحت حدودها لمرور العملاء، وقامت بتشكيل ميليشيات تحمي قوات الاحتلال، وتشاركها في قتال المقاومة الوطنية العراقية، وكل ذلك لتحقق إيران مكاسب لها على حساب شعب العراق. ويمكن القول أيضًا إنها رغبت في تنفيس حقدها الطائفي.الآن، انقلبت المعادلة، وصار جزء من أرض العراق المحتل نقطة انطلاق للهجوم البري إلى الداخل الإيراني، عبر عملاء للمحتل نفسه، وهو أمر يجري تحت عين وبصر سلطة الاحتلال التي تدعمها إيران وتتباهى بأنها من تعيّن رموزها، وتحت عين وبصر الميليشيات الإيرانية التي لا يمكنها التحرك لمنع ما يجري. وهو توجه سيتصاعد في الأيام القادمة.
ويا للمفارقة.
فالدولة التي ساندتها إيران في غزو واحتلال العراق هي نفسها الدولة التي تسعى لتحطيم النظام الإيراني وتسعى لتفكيك إيران!
وإذ كان أسلوب تشكيل الميليشيات هو ما اعتمدته إيران لدعم قوات وسلطة الاحتلال الأمريكي في العراق، فإن الدولة نفسها التي عملت لمصلحتها الميليشيات الإيرانية في العراق صنعت وتدعم ميليشيات من صنف آخر لمساندة أعمال تفكيك وإضعاف النظام الإيراني، عبر فتح جبهات للقتال البري.
ويبرز في هذه الحرب عدة مستجدات، والمفاجأة فيها هي ثبات إيران على موقفها ودورها ضد دول الإقليم، حتى وهي تتعرض لعدوان وحرب أمريكية صهيونية!
ومن المستجدات تراجع الدور الصهيوني إلى الخلف، إذ إن الولايات المتحدة هي من تقود هذه الحرب، على خلاف ما جرى خلال ضربات الأيام الاثني عشر في العام الماضي. وهو ما حمل معه تصاعد أهداف الحرب والعدوان من مجرد إضعاف النظام إلى الإطاحة به.
ومن المستجدات أيضًا أن وصل الأمر حد اغتيال المرشد، الذي كان عنوانًا بسياسته للتحالف مع الولايات المتحدة ضد العراق، وللتحالف مع روسيا ضد الشعب السوري، وقبلها التحالف مع أمريكا والناتو ضد الشعب الأفغاني.
ومنها أن الحرب على إيران باتت حالة استراتيجية معقدة، فهناك اتجاهان استراتيجيان اجتمعا ليحسما الخيار الأمريكي الصهيوني في إطلاق تلك الحرب وتحديد هدفها في إزالة النظام الإيراني.
أولهما أن الحرب تستهدف إضعاف الصين وروسيا. فقد كانت إيران قد تحالفت مع أمريكا في العراق وروسيا في سوريا لتحقق السيطرة على العراق وسوريا، لكنها انتقلت مؤخرًا إلى التحالف الاستراتيجي مع الصين وروسيا في مواجهة الولايات المتحدة، في مرحلة فارقة من الصراع الدولي، بما جعلها هدفًا لأمريكا على خلفية صراعها الاستراتيجي ضد الصين وروسيا.
وكانت إيران قد تصورت أن بإمكانها البناء على ما حققته في الإقليم العربي وفق خطة لنقل العطاء في التحالف الاستراتيجي إلى الدول الصاعدة، فكان أن جعلت نفسها هدفًا أضعف في هذا التحالف يمكن لأمريكا النيل منه أولًا، لتعزيز فرصها للفوز في هذا الصراع.
وثانيهما أن يصبح إسقاط النظام في إيران وتوجيه ضربة قاضية لميليشياتها ونفوذها في المنطقة العربية نقطة انطلاق للسيطرة الأمريكية الصهيونية على المنطقة وإطلاق مشروع إسرائيل الكبرى، للاستفادة من أعمال التفكيك والإضعاف التي أحدثتها إيران في العالم العربي.
وكانت المفاجأة – لدى البعض – أن قدمت إيران خدماتها لأمريكا والكيان الصهيوني، حتى وهي تتعرض للضغط والتهديد بالحرب، بل وحتى بعد اندلاع الحرب!
لقد رفضت إيران أن تجري المفاوضات على أرض تركيا – قبل اندلاع الحرب – وبحضور الدول العربية الكبرى، وهو ما كان يمكنه أن يوفر غطاءً لحلول غير حربية عبر ضغوط إقليمية.
لكن إيران أصرت على أن تجري المفاوضات بينها وبين الولايات المتحدة فقط. وزاد من هذا الخطأ الاستراتيجي أن قصفت إيران منشآت مدنية، أهمها منشآت الطاقة في دول الخليج، بما جلب تعبئة شعبية عربية إضافية ضدها.
وهكذا تمسكت إيران برؤيتها العدائية ضد دول الإقليم.
وهكذا ساهمت إيران في حصار نفسها في تلك الحرب المصيرية!
لقد انحصرت استراتيجية إيران الآن في إصابة دول الإقليم – هي الأخرى – بخسائر قاسية، لدفع تلك الدول إلى الضغط لوقف الحرب، وهو ما فتح المجال أمام حركة الولايات المتحدة في اتجاه دفع الدول العربية للتحرك معها أو للدخول في الحرب ضد إيران.
لقد انقلبت المعادلة.. وإيران تحصد ما زرعته من عداء وما ارتكبته من جرائم وأخطاء.
