أخبار الرافدين
تقارير الرافدين

لا معايير للتدقيق والجودة لحماية العراقيين من البضائع الفاسدة

الفساد الحكومي جعل العراق مكبًّا للبضائع المقلدة والفاسدة التي ترفض أغلب دول العالم استيرادها.

بغداد- الرافدين

تداولت مواقعُ التواصل الاجتماعي، مقطعًا مصورًا يُظهرُ إلقاء مستشفى الحياةِ في محافظة القادسية عشرات الصناديق المليئةِ بالأدوية والمستلزمات الطبية.

وقالت دائرة الصحة في الديوانية مركز محافظة القادسية إن هذه الأدوية والمستلزمات الطبية التالفة لا تعود إلى المؤسسات الصحية التابعة ل‍دائرة صحة المحافظة.

ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يُعثر فيها على مواد غير صالحة إذ سبقها الكثير من ضبط إدخال بعض المواد التالفة عبر الحدود البرية والبحرية.

ويعد جهاز التقييس والسيطرة النوعية في كل دول العالم صمام الأمان الذي من خلاله يستطيع المواطن أن يثق بمنتجٍ ما داخل بلاده سواء مصنع محليا أو مستورد، إلا في البلدان التي يفتك بمؤسساتها الفساد الحكومي ومنها العراق.

ويعمل الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية على تعزيز التقييس ومراقبة الجودة، وهو المحدد الرئيس لنوعية وجودة البضاعة الداخلة للعراق، لكنه في الوقت الحالي غير فعال تمامًا.

ويعود السبب في عجز هذا الجهاز إلى سيطرة الأحزاب الفاسدة وميليشياتهم على المنافذ الحدودية، والمؤسسات التجارية وعمليات الاستيراد والتصدير.

وكذلك فأن نظام الاستيراد العراقي مرهق وعفا عليه الزمن حيث كشف تقرير للبنك الدولي عام 2020 عن “تأخيرات لا تنتهي، ورسوم مرتفعة واستغلال”.

وأغلقت آلاف المصانع العراقية أبوابها منذ عام 2003 بسبب منافسة البضائع الأجنبية للمنتج المحلي رغم رداءتها،

وقال الخبير الاقتصادي باسم جميل أنطوان “إن قرار الحاكم الأمريكي بول بريمر بعد احتلال العراق الذي خفض الرسوم الجمركية والضريبية على جميع السلع المستوردة إلى 5 بالمئة فقط أسهم بشكل كبير في تدهور الصناعة العراقية” ومازال هذا القرار مستمرا.

ويؤكد أنطوان أن هناك العديد من الدول تعتمد على الاستيراد بسبب عدم إمكانية الإنتاج الصناعي فيها، إلا أن جميع البضائع المستوردة تخضع لمعايير صارمة في التدقيق والجودة، إلا في العراق الذي يفتقد لمنهجية استيراد منضبطة ومجدية، فجميع البضائع المستوردة لا تخضع للسيطرة النوعية وبات العراق مكبًّا لجميع البضائع المقلدة والفاسدة التي ترفض كثير من الدول استقبالها.

وكان عضو مجلس محافظة البصرة احمد عبد الحسين قد كشف عن وجود فساد وتزوير كبيرة في مستندات البضائع في الموانئ العراقية من خلال التواطؤ مع الموظفين الفاسدين مبينًا أن التزوير يتم عبر تغيير تاريخ صلاحيتها وتزوير شهادة المنشأ للدولة المصنعة للبضائع، وعمليات التزوير تتم إما للتهرب من الكمارك أو لإدخال بضائع رديئة.

وتتدفق السلع المغشوشة والمنتهية الصلاحية إلى السوق العراقية بكل سهولة.

وتنص القوانين العراقية والاتفاقيات الدولية التي كان العراق قد وقع عليها على محاربة الغش التجاري والتقليد، إلا أن أي أثر لهذه القوانين والاتفاقيات غير موجود في الوقت الحاضر.

وأكد رئيس محكمة البداءة المختصة بالقضايا التجارية القاضي أمير الشمري وجود مافيات متخصصة تعمل على تزييف العلامات التجارية في العراق وخارجه، وأن هذه المافيات تعمل على تزوير العلامات التجارية داخل البلاد أو استيراد معدات ومكائن تمكنها من تزوير البضائع داخل العراق مستغلة جهل المستهلك المحلي وضعف الرقابة الحكومية.

ويستورد العراق الغالبية العظمى من بضائعه، ويعتمد في الغالب على إيران وتركيا والصين في كل شيء من الغاز إلى الكهرباء والطعام والإلكترونيات.

وتمر معظم البضاعة التي يستوردها العراق عبر خمسة معابر حدودية رسمية وهي مع إيران ويبلغ طولها 1600 كيلومتر، ومع تركيا بنحو 370 كيلومتر، وعبر ميناء أم قصر في محافظة البصرة.

وجدت طهران في تصريف بضاعتها في الأسواق العراقية متنفسًا للتملص من العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها.

وبلغت الصادرات الإيرانية عام 2021 غير النفطية للعراق 7448 مليون دولار وفق إحصاءات رسمية.

ويبلغ حجم الأرصدة الإيرانية المجمدة في العراق ما بين 5 و7 مليارات دولار، وهي قيمة الغاز الإيراني الذي يستورده العراق لتوليد الطاقة الكهربائية، حيث لا يسمح لبغداد بتسديد المستحقات بسبب العقوبات على طهران.

وتتحقّق معظم الأرباح من ميناء أم القصر لأنه المنفذ الذي تدخل عبره الكمية الأكبر من البضائع إلى البلاد.

وتفرض الأحزاب والمليشيات استيراد البضائع الإيرانية الرديئة التي تتخطى الإجراءات الطبيعية نظير مبالغ مالية ضمن منظومة الفساد الحكومي.

وقال مستورد عراقي رفض الكشف عن هويته “إذا كنت تريد أن تستورد بالطريقة الصحيحة، تنتهي بأن تدفع آلاف الدولارات كغرامة تأخير”، مضيفًا أن هذا النظام “مصمم للفشل”.

وقال مسؤولون إن غالبية نقاط الدخول تسيطر عليها بشكل غير رسمي ميليشيا الحشد التي تمتلك عدة مكاتب اقتصادية لتمويل نفسها.

ويقول المشاور القانوني مصطفى دريد إن المشرع العراقي لم يغفل أي جانب في مجال التعاملات التجارية، إلا أن المشكلة الحقيقة تكمن في تطبيق هذه القوانين.

ويضيف دريد أن هذه القوانين المختصة بالمعاملات التجارية لا يمكن تطبيقها بصرامة ما لم يُفعّل دور الجمارك وجهاز التقييس والسيطرة النوعية، وإلا فأنه وفي حال تطبيق القانون الآن بحذافيره، فإنه قلما تجد محلًا أو مركز تسوق في العراق لا يحتوي بضائع مغشوشة أو مقلدة، وحل هذه المشكلة يقع على عاتق وزارتي التجارة والداخلية،

وهكذا فإن إدخال البضائع الفاسدة والمقلدة، في ظل ضعف الرقابة الحكومية والتفشي الكبير للفساد في المنافذ الحدودية والجمركية، يكون ضحيته المستهلك العراقي الذي يدفع أموالًا طائلة مقابل بضائع ترفض غالبية الحكومات استيرادها لرداءتها.

اظهر المزيد

مواضيع ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى