أخبار الرافدين
طلعت رميح

أحوال الدنيا

السؤال ليس من اغتال شيرين، بل لماذا؟

لم يكن مقتل الصحفية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة مجرد خطأ ناتج عن إطلاق رصاص عشوائي من أحد الجنود الصهاينة.
اغتالت اسرائيل صحفية الجزيرة لأسباب أبعد من تغطياتها الإعلامية. وقرار اغتيالها اتخذ على أعلى مستوى سياسي في الكيان الصهيوني.
من يراجع الفيديوهات المنشورة والوقائع يجد نفسه أمام قرار اغتيال لا لبس فيه.
لم تكن هناك اشتباكات جارية مع المقاومة الفلسطينية في تلك المنطقة وفي هذا التوقيت.
وليس هناك احتمال لوقوع خطأ، لأن الصحفية كانت ضمن مجموعة من الصحفيين وكلهم كانوا يرتدون الخوذ والصدريات الواقية ومدون عليها ما يشير إلى أنهم صحفيين.
والشاب الفلسطيني الذي حاول إنقاذها أو سحبها بعد إصابتها، جرى إطلاق النار عليه أيضًا. وهو استهداف جرى بعد مرور وقت على إطلاق الرصاص على الصحفية ومعرفة الجميع إصابتها. كان هناك من يصر على قتلها لا على إصابتها.

ويزيد من التأكيد على أن الهدف كان اغتيالها، أن منطقة الاغتيال لم تشهد في هذا الوقت مظاهرات واسعة. لم يكن هناك حدث يستدعي إطلاق الرصاص بكثافة فيحدث الخطأ.
والقصة أن قرار الاغتيال اتخذ ضمن ملابسات واسباب سياسية متعددة، والاغتيال يجري لأسباب سياسية، وهذا هو الفرق بين القتل والاغتيال.
إن الحكومة الاسرائيلية أرادت قطع تواصل أعمال الانتفاضة الجارية وفق نمط العمليات الفردية، وقد ثبت أنها نجحت في إثارة الرعب والذعر في التجمع الصهيوني، بما أعاد الذكريات إلى العقل الجمعي الصهيوني بالهجرة العكسية. أرادت القيادة الصهيونية صناعة حدث كبير يغطي على الأعمال الفلسطينية ويغير اتجاه حركة الصراع. وهو أمر تعزز بعد يومين حين جرت عملية اقتحام ذات المخيم الذي قتلت الصحفية شيرين على أطرافه.
كما أرادت حكومة نفتالي بينيت، توجيه رسالة إلى السلطة الفلسطينية بقدرتها على إثارة الاضطراب في مناطق سيطرتها، ردًا على مشاركة حركة شهداء الأقصى التابعة لفتح في الأعمال الفدائية، وخاصة عملية “شارع دينجوف الأشهر بقلب مدينة تل أبيب”.
والاحتمال الثالث أن تكون إدارة بينيت قد أرادت تعويض التراجعات التي اضطرت لها في موضوع المسجد الأقصى في الجمعة الأخيرة من شهر رمضان المبارك.
في الوقت نفسه كان يعد المستوطنون لاقتحامات في مسيرة الأعلام، وكان مقررًا أن تجري عملية ذبح القرابين، فصعدت المقاومة في غزة وتوعدت، وتصاعدت الحركة الجماهيرية في عموم الضفة الغربية وفي القدس خاصة، بما اضطر الولايات المتحدة للضغط على إدارة بينيت وإجبارها على التراجع، حتى لا تنفجر الأوضاع وتضعف التركيز على معركة الولايات المتحدة ضد روسيا في أوكرانيا.
والاحتمال الرابع أن تكون إدارة بينيت قد دشنت بهذا الاغتيال للصحفيين، العودة مجددًا إلى سياسة الاغتيال، وليست مصادفة أن تطلق تهديدات باغتيال قادة حماس في غزة وعلى رأسهم يحيى السنوار، قبل أيام من اغتيال شيرين أبو عاقلة.
والاحتمال الخامس، إن إدارة بينيت قد أرادت بهذا الاغتيال تعقيد الأوضاع في المنطقة للتأثير على زيارة جو بايدن المزمعة للشرق الاوسط، بطريقة التفافية ودون مواجهة مباشرة، لتقديرها أن كل وقائع الزيارة ستكون على حساب تلك الإدارة الصهيونية في الداخل. والسر هنا في جنسية شيرين الأمريكية.
إدارة بينيت تتخوف من زيارة بايدن للمنطقة، وترى أنها ستجري على حساب تلك الإدارة، التي لا تستطيع تحمل أية خسائر أمام الرأي العام اليميني باعتبارها حكومة آيلة للسقوط، ومصيرها يتوقف على صوت واحد في الكنيست.
إدارة بينيت تقدر أن بايدن لن يدفع من حافظة نقوده لإرضاء بعض الدول العربية أو توفير غطاء لها للتحرك نحو الموقف الأمريكي، بعدما انحازت الكثير من هذه الدول للموقف الروسي أو وقفت على الحياد في الصراع الأمريكي الروسي في أوكرانيا.
إدارة بينيت تتخوف من تكرار ذات السيناريو الشهير خلال الحرب على العراق، حين تحركت الولايات المتحدة باتجاه المفاوضات والاتفاقيات العربية الاسرائيلية لتقليل رد الفعل العربي على غزو واحتلال العراق، وهو ما سمي وقتها “بالربط”، لإشغال العرب وتقليل رد الفعل. لكن حتى هذا لا تتحمله حكومة بينيت الآن.
وتلك الإدارة الاسرائيلية تنظر بقلق لما يصدر عن الإدارة الأمريكية الحالية من سعي لإعادة بناء العلاقات مع السلطة الفلسطينية والعودة لطرح حل الدولتين وإعادة صرف الأموال للسلطة وتقليص ما تحقق للكيان خلال حكم إدارة ترامب.
لا شك يتخوف الكيان الصهيوني من أن تكون أحد أهداف الزيارة الضغط عليه بشان قرار توقيع الاتفاق النووي مع إيران. وهو أمر لا تستطيع إسرائيل رفضه لكنها تستطيع عرقلته. رأت قيادة الكيان أن المفاوضات تسارعت وأن الولايات المتحدة باتت في حاجه لإطلاق النفط الايراني في الاسواق لتعويض النفط الروسي من جهة وللضغط على الدول العربية الرافضة لزيادة ضخ النفط من جهة أخرى.
لقد جرى اغتيال شيرين أبو عاقلة لأسباب أبعد وأعمق. ومرة أخرى فالاغتيال لا يجري إلا لأسباب سياسية.
والسؤال ليس من قتل شيرين، وأين يكمن الخطأ، وتحويل الإعلاميين إلى محققين جنائيين بتركيز الكتابات والبرامج للبحث عن القاتل. السؤال لماذا جرى اغتيالها؟

اظهر المزيد

مواضيع ذات صلة

شاهد ايضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى