أخبار الرافدين
د. رافع الفلاحي

حق القول

دستور بمقاسات الخراب (3)
بعد ثورة تموز عام 1958، وجدت قيادة الثورة من الضباط ان العراق بحاجة الى دستور جديد يكون بديلا عن دستور عام 1925. وكانت مبرراتهم في ذلك مقنعة، حيث إن دولة العراق تحولت من النظام الملكي الى النظام الجمهوري وتبعا لذلك فأن طبيعة الحكم وتوجهاته وأهدافه قد اختلفت تماما، فضلا عن علاقات العراق وتحالفاته.

من هنا كان العمل يجري سريعا لوضع دستور جديد، تم اقراره فعلا “كدستور مؤقت” لجمهورية العراق وأعلن عنه بعد ثلاثة عشر يوما من قيام الثورة وبالتحديد في السابع والعشرين من تموز 1958.
ولما كان حكم العراق قد دخل مع قيام ثورة تموز عام 1958، في حالة من عدم الاستقرار “السلطوي” دلت عليه “الصراعات الخشنة” التي نشبت بين قواه الفكرية والسياسية وبأدوات بعضها خارج سلطة الحكم وبعضها في تلك السلطة، بل أن بعضها كان في المساحة الضيقة العليا للسلطة. ونقصد الصراع الذي نشب بين رئيس الوزراء، القائد العام للقوات المسلحة عبد الكريم قاسم وبين نائبه عبد السلام محمد عارف، بعد أن تعمقت الخلافات بينها في رؤية الحكم وتوجهاته، والتي اسفرت عن انقلاب أعلن عن نفسه بـ “البيان رقم واحد” في الثامن من شباط 1963 الذي انتقلت فيه مقاليد السلطة الى الرئيس عبد السلام محمد عارف. فظهرت الحاجة مرة اخرى الى دستور “مؤقت” جديد للبلاد. فكان ذلك بعد نحو عام من ذلك الانقلاب، حيث اعلن بيان رسمي صدر في التاسع والعشرين من نيسان 1964 ان العراق قد صار له دستورا جديدا، ما ان تحول الى دستور سابق بعد 53 شهرا. فبعد 67 يوما من قيام ثورة السابع عشر من تموز 1968 جرى الاعلان في الحادي والعشرين من أيلول عن صدور دستور مؤقت جديد يتناسب مع تطلعات فكر وتوجهات الثورة وحاجات العراق وسياساته “كما اوضحت مسوغات صدوره” والتي ما لبثت ان تطورت فصدر في السادس عشر من تموز 1970 دستورا مؤقتا جديدا، والذي استمر نافذا مع تعديلاته حتى الاحتلال الأمريكي للعراق في نيسان عام 2003.
وعلى الرغم من كل الملاحظات والثغور والنواقص التي شخصت  في دساتير العراق: 1925،  1958، 1964، 1968، 1970 من قبل بعض المختصين في القانون الدستوري وغيرهم، الا أن الجميع يتفق على انها دساتير كتبت في بيئة ومناخ ونفس عراقي، وأنها كانت تتقصد خير العراق والعراقيين ووحدتهم واستقلالهم والانتصار  لهويتهم الواحدة الجامعة، برغم ما فيها من جوانب “انحياز” للسلطة الحاكمة وتوجهاتها، فعراقية الدساتير التي صدرت طوال 82 عاما من عمر الدولة العراقية الحديثة “1921-2003″، قد تجب عنها كل الهفوات وكل النواقص التي شخصت فيها، خاصة انها جميعا كانت  تقوم على المواطنة وتحرص بشدة على الهوية الجامعة وترفض اي امكانية للانفصال والتشتت والفرقة والحديث “النشاز” عن المذاهب والطوائف والتمييز بالاعتماد على القوميات، وهي “قنابل” موقوته انطوى عليها دستور عام 2005 الذي وضع بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، حتى استحق هذا الدستور النافذ حتى اليوم وصفه بـ “القنبلة العنقودية”.
إن وصف دستور عام 2005 بالقنبلة العنقودية يعود الى التعريف الذي يطلق على تلك القنبلة من قبل المختصين في صناعة السلاح، فهم يعرفونها بأنها “أسلحة غير تقليدية محرمة دوليا، تتكون من عبوة ينطلق منها عدد كبير من القنابل الصغيرة في الهواء، وتستخدم للهجوم على أهداف مختلفة، أو لإضرام الحرائق. ويمكن للقنابل الصغيرة الموجودة داخلها أن تغطي منطقة كبيرة، قد لا ينفجر كثير منها، ولكن يستقر في الأرض كألغام قد تنفجر بعد سنوات، ما يشكل خطرا كبيرا مستداما على المدنيين”.
فهل في هذا الوصف أي ظلم لدستور بدأ بالاعتماد على “طبخة” أمريكية مسمومة اسمها “قانون أدارة المرحلة الانتقالية” التي أعدها فريق الاحتلال واصدرها الحاكم الأمريكي بعد الاحتلال سيء الصيت بول بريمر في الخامس عشر من تشرين الثاني عام 2003 والتي تألفت من 62 مادة، والتي اعتمدها في اعداد دستور عام 2005، الأمريكي ذو الأصول العراقية اليهودية نوح فيلدمان. ذلك الشاب الصغير “كان في حينها بعمر 32 سنة” وقد كان يعمل مستشارا قانونيا في فريق سلطة الاحتلال الأمريكي للعراق، فضلا عن كون هذا الدستور استند في اقراره على استفتاء مزور جرت وقائعه في الحادي والثلاثين من كانون الثاني 2005، بعد أن رفض من قبل ثلاث محافظات عراقية “ذي قار، الانبار، نينوى” وهو الشرط الذي وضع من قبلهم إذا ما تحقق فلن يقر ذلك الدستور. وقد وجد أهل تلك المحافظات ان هذه الوثيقة التي تسمى دستورا “مزحومة” بالقنابل والألغام والفخاخ والمطبات، التي ستحول العراق الى ساحة من المناحرات والحروب والخراب، التي لن تنتهي الا بتحويل العراق الى جزر متباعدة ومتناحرة ببوصلات مختلفة واهداف لا تتلاقى. لذلك رفضوه.
لكن سلطات الاحتلال واحزاب العملية السياسية وقواها عملوا على وقف الاستفتاء في الموصل “مثلا” وسحب صناديق الاستفتاء من قبلهم “لتزوير النتائج” بما مكنهم من اجراء احدى عمليات التزوير الكبرى والعديدة التي جرت وتجري في العراق الجديد، لكي يقال فيما بعد ان الولايات المتحدة الأمريكية قد جاءت للعراق بالديمقراطية وها هو دستور جديد للعراق يكتبه ويصوت عليه شعب العراق، وبذلك يكون وصف دستور عام 2005 النافذ لحد الان بـ “القنبلة العنقودية”، هو وصف دقيق وملائم ويعبر عن مضمون ما يجبر شعب العراق وبلدهم في تبنيه والتعامل معه وجعله مظلة لهم منذ 17 عاما .
والحديث عن الدستور مازال فيه الكثير.

اظهر المزيد

مواضيع ذات صلة

شاهد ايضًا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى