أخبار الرافدين
د. فارس الخطاب

رؤية في قرارات السوداني

ينظر العراقيون بريبة وحذر شديدين إلى قرارات رئيس مجلس الوزراء، محمد شياع السوداني بعد استلامه مهامه مباشرةً، وقد يكون في أسلوب الحركة الأولى للسوداني ما يلفت الأنظار فعلاً؛ كونه أصدر قرارات عديدة شملت مواضيع تتعلق بالإجراءات المؤسساتية الخاصة بالإسراع بإنجاز موضوع الميزانية العامة لتعود الحياة إلى مشاريع الدولة المتوقفة وأيضاً إعادة بعض الخدمات التي توقفت بسبب حالة الركود الاقتصادي والسياسي في البلاد منذ أكثر من عام، وأخرى إدارية ربما يظهر كنهها والقوى المستهدفة فيها خلال الفترة القريبة المقبلة.
أسلوب السوداني، كما ظهر، ينم عن تجهيز متقن من قوى الإطار، وربما من قبل الاتجاه الأكثر تمكناً في التحكم بشخصه كرئيس لمجلس الوزراء، وأعني به نوري المالكي، ويرى الكثير من المراقبين أن إظهاره كرجل قوي، مركزي في قرارته وتوجيهاته، حازم في تعابير وجهه، إنما يراد منها أمور كثيرة لكن أهمها أمران. الأول تهدئة الشعب العراقي ونزع روح الثورة منه، والثاني تفويت الفرصة على زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر وسحب كل حججه حول الإصلاح وتصحيح المسار الخاص بالعملية السياسية “بحسب ما أدعاه” من خلال جملة من التعديلات الإدارية المغلّفة بهالات إعلامية مؤسس لها تظهر قدرته على مكافحة الفساد، وهو ما سيمنح الشارع العراقي بعض الاستقرار ليرى العراقيون بعده مقدار جدية السوداني في الإصلاح المنشود والذي لن يكون له حظ في الوجود بحسب ذات المراقبين.
قد يجادل البعض ويطرح تساؤلاته حول أسباب تشاؤم المراقبين وتأكيدهم عدم نجاح الأسلوب الممنهج لإظهار إجراءات السوداني على أنها ستكون نقطة التحول الكبرى في العملية السياسية، ويطالبون بمنحه الفرصة لإثبات ذلك، لكن الكثير من العراقيين أيضاً يرون أن هذه الفرصة ستكون على حساب معاناتهم، وأن منح الفرصة لحكومة ووزراء مجربين بطرح وعود ورسائل إعلامية ستكون للاستهلاك المحلي، لا بل ستزيده فساداً وتحللاً وظلامًا، وإلا كيف يمكن أن يتعامل السوداني وحكومته مع الملفات الكثيرة المرتبطة بالفترتين الرئاسيتين لمسؤوله نوري المالكي وخاصةً ملفي احتلال الموصل والفساد؟ ثم كيف سيكون الحال مع قادة الإطار التنسيقي الذين تحيط بهم تهم فساد وسوء إدارة السلطة وهدر المال العام، والذين يمتلكون مليشيات مسلحة تلاحقها تهم تجاوزات بحق المواطنين وجرائم تغييب قسري وتغييرات ديموغرافية، جرائم وتجاوزات لقادة أحزاب وكتل لا يملك السوداني القدرة على رفع رأسه أمامهم، فكيف يمكنه التحقيق معهم وإعادة الحقوق لما تم هدره أو سرقته من أموال العراقيين، وكذلك درء المظالم ومحاسبة المسؤولين عنها كائنًا من يكون.
لقد كان مصطفى الكاظمي، رئيس مجلس الوزراء السابق أشطر وأدهى أسلوباً من طريقة تفكير وتدبير قادة الإطار، أسلوب نجح به ومن خلاله في امتصاص الكثير من غضبة الشعب العراقي يعتمد على استخدام الإعلام والوعود العاطفية، لكنه لم يستطع أن يخدع هذا الشعب، فقد صبر عليه لكنه لم يكن غافلاً عن محاولاته ترويض ثورته أو روح هذه الثورة، التي رفضت وما زالت، استمرار العملية السياسية برمتها، وبكافة شخوصها على اختلاف انتماءاتهم ومستوى جرائمهم تجاه العراقيين، فكيف لهذا الشعب أن يعقل أو يقتنع برجل جاء بعباءة المالكي وقادة بدر والعصائب وغيرهم من قادة الإطار؟
قد يكون من المناسب أن نقول إن هذا المقال ليس مصوباً ضد شخص محمد شياع السوداني، فالمسألة في العراق لم تعد مرتبطة بأسماء، بل بالإطار السياسي الحاكم والمتنفذ في البلاد، وهو نتاج العملية السياسية التي تضع من تضعه في واجهة السلطة، لكن أرباب هذه العملية يبقون في كل مرة هم من يتحكم بماهية الإجراءات وأساليب الفساد وطمس الهوية الوطنية، كلٌ لمصلحة الطرف أو الأطراف التي تأمن له الدعم اللازم، لذا نرى أن ذات الوجوه التي دفعت بها قوى الاحتلال الأميركي– الإيراني هي من يتكرر ظهورها وأسماؤها طيلة العشرين سنة الماضية، كما أنها ذاتها من يسكن المنطقة الخضراء “فندق العملية السياسية المترف” كائنًا من يكون على رأس الحكومة.
لن تستمر اللعبة طويلاً، فحجم المأساة والمظالم والفساد كبير للحد الذي لا يمكن مواجهته بكلمات أو بالظهور بمظهر القوة والثقة بالنفس لإن هذا الأسلوب سيتقهقر ويتحول إلى أسلوب آخر مختلف تماماً مع أول مواجهة بين الواقع والوعود، وبين الاستماع لصوت الشعب المطالب بحقوقه وبين صوت المتحكمين بوزارات العراق منذ احتلاله عام 2003 وخاصةً هذه الوزارة التي قدمت رئيسها قبل ظهوره للشعب على أنه أداةٌ بيد نوري المالكي وظهر ذلك جلياً حين قرر محمد شياع السوداني في أول قراراته تسريح مسؤولين عسكريين ومدنيين عينهم الكاظمي وهو أمر لطالما تحدث به المالكي من خلال حملاته التحريضية ضد حكومة الكاظمي ليظهر نفسه أو من يوليه الحكم وكأنه المنقذ ولا يستبعد أن يثير لاحقاً فقاعة إعلامية أخرى عندما يطالب بمحاكمة الكاظمي بتهم فساد لتعكير الصورة وتشتيت الاهتمام الشعبي بالتغيير والثورة وإن كان الجميع يستحق هذه المحاكمات .
أملنا كبير ألا تنطلي هذه الأساليب الماكرة لكل أطراف العملية السياسية على شعبنا، وإظهار الصراع بين أطراف العملية السياسية بما يجعل البعض يردد مقولة “بأسهم بينهم” وكأنه بوابة الخلاص من هذه العملية السياسية الفاسدة، وهو أمر في حقيقة الأمر عبارة عن وهم كبير لإن جميع أطراف هذه العملية في مركب واحد، والجميع لن تتضرر مصالحه حين تتولى أية جهة من داخل هذه العملية الحكم في العراق لإن حقوق وحصص ومكاتب هذه الـقوى والأحزاب الاقتصادية مضمونة وتزداد. ونظرة واحدة إلى وجوههم وأماكن وجودهم وحجوم فسادهم تكفي لإثبات ذلك.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى